24أغسطس
ض

أقلام حرة : التسامح الديني مطلب إنساني ومبدأ إسلامي

يعجبني بدء المقال بصيحة شعرية إيمانية  لشوقي أحمد حين قال ” والاختلاف لا يفسد للود قضية”

يا سادة !!!!!!! لما نعي صرخة شوقي الإيمانية زمنئذ ستمسي التعددية الفكرية وحرية الآراء ورحابة الأفق  والانفتاح على المنظومة الفكرية الغربية  المشاكسة في أغلب الأحايين ظواهر إيجابية محمودة تسهم في إقبار الاحتقان  وتنويع المواهب وبدو طاقات جديدة أكثر فهما وتنويرا، وبروز أفكار  ومبادرات مختلفة بل مستفزة تنتج عطاء حضاريا وازدهار ثقافيا غير مسبوق.

نتمنى أن لا يفسد الاختلاف للود قضية … لكن عذرا شوقي قد أفسد الخلاف للود قضايا !!!!

لعل مشاهد واقع المجتمع المغربي التي طفت على الأسطح مؤخرا أعادت إلى الواجهة أغلوطة كون الخطاب الديني كممارسة إجرائية للدين الرفيع يؤمن بالتعددية الفكرية والتنوع الديني والثقافي والحضاري، الإشكال لا يكمن في الدين المطلق الرفيع الذي أسيء فهمه وشوهته أغلب القراءات التي يحويها الخطاب الديني، بل الإشكال في هذا الأخير الذي أنتج لنا عقولا لا تعترف حتى  بالاختلاف كسنة كونية وضرورة وجودية ضرورة الوجود نفسه.

دعونا ننطلق من إشكال جوهري عميق أصوغه كالآتي: ألم يكن الخطاب الديني عائقا أمام التساهل الفكري وقبول الأخر والإيمان بالتعددية الفكرية والحضارية والثقافية والدينية؟  

لعل الواقعة المؤسفة التي انتشرت كالنار في الهشيم ، والتي كان سياقها المكاني : المهرجان المتوسطي للثقافة الأمازيغية ”ثويزا” الذي احتضنته مدينة طنجة تحت شعار ”في الحاجة إلى المثقف” جعلتنا أمام رهان إعادة النظر في الخطاب الديني( أقصد التدين وليس الدين) وتنويره خصوصا في بعده الإنساني بغية جعله موافقا لمقتضيات الخطاب القرآني والحديثي ومقتضيات الفطرة الإنسانية ، أمر مسيء إلى ديننا الإسلامي الحنيف أن يتم إمطار الرأي المخالف بل الذات الإنسانية المخالفة السامية بوابل من السباب والشتائم والقذائف الجارحة بمجرد تعبير بسيط عن كلمتها وبمجرد أن قالت ” إن أبي أمرني قائلا : بنيتي ناقشي الله ولا تطيعيه، لأن الطاعة دون الاقتناع رذيلة” أكاد أجزم أن تأملات نوال السعداوي الفكرية  والإيمانية العميقة موافقة تماما للخطاب القرآني الرافض للتقليد الأعمى والداعي إلى الاقتناع بدل الطاعة العمياء ويكفي أصلا شرعيا  لهذا ربط الحق جل وعز بين العلم وقضايا الألوهية المندرجة ضمن ما يسمى بالمفهوم الفلسفي ”الماوراء” حين قال في سورة محمد  ”فاعلم أنه لا إله إلا هو”، فيا ليتنا قلنا للسعداوي كما قال الفاروق”لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها”.

 يا سادة !!!! ألم يكن الإسلام دينا يحث على الصفح الجميل والتسامح والتوادد والليونة ويعترف بوجود الأخر المختلف ويقر حقه في التدين وينهى عن سبه والتحرش بدينه؟  ألم يكن رافضا للجفاء والغلظة والفظاظة والعداوة؟ أين نحن من اللافتة التي ما برحنا نرفعها بين فينة وأخرى  تلك المتضمنة لهذه الأغلوطة المستفزة”المغرب بلد التنوع الثقافي والحضاري وأرض خصبة للتسامح الديني”؟ أين نحن من ثقافة الاختلاف التي أسس لها ديننا الحنيف؟

أخي المسلم خصوصا !!!! اختلاف الآراء ظاهرة إنسانية وطبيعة بشرية قبلها فخر العالمين صلى الله عليه وسلم في مناسبات عدة ، ورهاننا  نحن كمتدينين وكنخب مثقفة وإنتلجنسية إلى حد ما هو أن نتأمل الخطاب التوجيهي القرآني بفهوم ثاقبة تتجاوز البروتوكول والشكل إلى المعنى العميق وما وراء الحروف ، ذلك الخطاب الذي دعا في غير ما موضع إلى إدراك الطبيعة الإنسانية، بل ذهب إلى ما هو أبعد وأعمق بشكل يثير الدهشة والاستغراب ، ذهب إلى تقبل حقيقة أن ”لو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة”، فنكون حينئذ أمام منظومة نسقية متكاملة تشمل وحدة الدين  ووحدة  القيم ووحدة الفكر والحضارة والثقافة، لكن الحكمة الإلهية والفطرة الإنسانية اقتضتا التنوع والتعددية الدينية والثقافية والحضارية والفكرية.   

رؤية استشرافية مستقبلية من أجل الإصلاح:

من أجل مجتمعات مسلمة حداثية صالحة:

  • ينبغي أن تكون المشاريع الإصلاحية قائمة على أساس الإيمان بالله تعالى وبجوار هذا : الإيمان بالتعددية الدينية والتنوع الثقافي والفكري  والتفاعل الحضاري، حينها سنكون أمام مشروع إسلامي ذي مقاربة متكاملة يحقق الازدهار الروحي والمادي ويواكب الركب الحضاري.
  • ينبغي طغيان النزعة الإنسية داخل نسق الخطاب الديني أثناء النظر في النصوص الدينية وتفسيرها بغية عولمة الخطاب كما نص القران الكريم على ذلك في سورة الأنبياء قال الله جل وعز ”وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، حينها سيكون مطلب أسلمة الغالبية العظمى بسيطا ليس صعب المنال، أما في ظل سعي الخطاب الديني( أقصد هنا الفتاوى والخطب المنبرية) إلى تدريب الذات المسلمة على النفور من الآراء المشاكسة وأحيانا تدربيها على الجهاد في سبيل إعلاء الفكرة، فتلك مرآة تعكس عقيدة امتلاك الحق المطلق التي امن بها من يتصدى للفتاوي الشرعية، ويصدر في كرسي عال ومريح أحكام التحليل والتحريم على المنتوج الغربي الذي لا يد له فيه ولا إبداع وهو يحسب نفسه أنه يحسن صنعا ، ولكنه أكثر الناس جهلا وضلالا…

إني لأدعو وبقلب حزين إلى إعادة النظر في التراث الفقهي  كثرات منتج في قرون لها سياقاتها الزمكانية والاجتماعية والاقتصادية قصد الاستفادة من سليمه وطرح ما لا يوافق المتغيرات والتحولات الراهنة، لأن ذلك التراث التقليدي الزاخر طبعا ،انعكس على عقلية المتدين بل رجل الدين المعاصر وأضحى فكره منغلقا على المعارف والعلوم والثقافات المتنوعة، في غياب انفتاح كوني مؤسس على  التعايش والتساهل الفكري والتلاقح المعرفي وقبول الآخر والاعتراف بوجوده  كضامن  على المدى البعيد لعلاقة الائتلاف مع الآراء الحرة المشاكسة، تلك العلاقة التي تؤطرها ضوابط العيش المشترك مع كل الأطياف الفكرية والمعتقدات الدينية كيفما كانت .

إن ثمة مبادئ تبنتها العقول الإسلامية وهي ليست من الإسلام في شيء ساهمت في غرس بذرة العنف بدل التسامح والتعايش أسردها كالتالي:

  • قبول الآخر انتحار للذات : أقول وبوجازة معتصرة :”إن قبول الآخر هو بعث للإنسانية المقبرة في الأعماق، فهو ليس إحساسا بالنقص تجاه الغير ولا يعني بحال من الأحوال ذوبان الذات الحضارية وانصهارها كليا في الذات الحضارية الأخرى كما يرى المثالي الفيلسوف الألماني هيغل لما اعتبر أن: ”الوعي بالذات يطارد موت الآخر”.
  • مبدأ التسامح سمة المؤمن الضعيف: إن ما أشار إليه المؤرخ جيفري رودولف إلتون – من كون المتعصبين لعقيدة التوحيد في عهود خلت  يرون قبول الأخر والإيمان بالتعددية الدينية وغيرها علامة على ضعف الإيمان بالله جل وعز- هو الداء العضال الذي أصاب العقل الإسلامي في عصرنا الراهن  ولا أجد له دواء سوى جعل التسامح الديني والتفاعل الثقافي والحضاري قوة وعزة بدل جعله ضعفا وذلة.

وأملا مني أن نلتحق بالركب الحضاري والثقافي أصيح صيحات أليمة مؤلمة منبعثة من روح مؤمن قوي داعيا إلى باراديغم  مجتمعي قائم على العدل والتعايش والتعامل مع الأجناس البشرية على قدم المساواة، فاتحين الأبواب على مصارعها للآراء المشاكسة والمختلفة اللامتعصبة والتي لا تشكل خطورة على المؤسسات الاجتماعية القائمة ولا تفضي إلى ارتكاب مجازر دموية في حق الإنسانية ، كما أشار الباحث حسن أهضار في مقال سابق له تحت عنوان ”من أجل التعايش” وكما أشار جون راولز في كتاب له يحمل عنوان ”نظرية العدالة”.

إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله.

  بقلم الأستاذ الباحث: محمد نيت أكني

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية