12نوفمبر
14429614_9589247181_114397408_n

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتــي.. (ح/16 )

وعلى سنة الله ورسوله سيفتح صالحُ أبوابَ القفص الزوجي ليدخله بعدما اختار شريكةَ حياته وكان ذلك سنة 1993م، دخله فاستقرت عواطفُه وأنجب من زوجته في مرحلتي ولادة اثنتين فتكونت لديه أسرة صغيرة قِوامها الولدان والوالدان، اجتهد صالحُ في السعي لأهله على لقمة العيش متنقلا بين جوامع القرى من هنا إلى هناك إلى هنالك لا تفتر عزيمته.
وما يزال صالح يتنقل بين هذا الموضع وذلك ويطوف هذه القبيلةَ أو تلك في إطار عمله فقيها وإماما حتى استقر به المطاف أخيرا في دوار (تازولت) بمنطقة إماديدن السُفلى التابعة للجماعة القروية سيدي احساين، ما هي من بلدته بالقريبة وما هي ببعيدة، يشتغل في مسجدها إماما ومؤذنا وخطيبا للجمعة ومدرسا للصغار، يقضي فيه كل أوقات الأسبوع إلا نهارا واحدا وليلتين، يرحل كل مساء أربعاء لزيارة أهله ويمكث معهم إلى يوم الجمعة صباحا فيغادر في اتجاه مقر عمله أين ينتظره أسبوع عمل جديد يستهله على الدوام بمراسيم صلاة الجمعة عند الظهيرة، ولم تكن رحلاتُ صالح بين الموضعين تمضي يسيرة بل إن فيها شيئا من الجُهد والتكليف يُطاوعه في كل مرة بالشوق والحنين إلى أهله، كانت المسافة بينهما تُقطع على مراحل ثلاث، مرحلتان يقطعهما في الغالب مشيا على القدمين ويشكلهما الطريق الرابط بين دوار أيت احدو مسقط رأسه ومقر الجماعة القروية لتاسوسفي من الجهة الغربية ثم الطريق الرابطة بين الجماعة القروية سيدي احساين ودوار تازولت مقر عمله من الجهة الشرقية، بينما المرحلة الوسطى بين المرحلتين فهي الفاصلة بين مقري الجماعتين القرويتين، يقطعها مستقلا بعضَ ما يصادفه من وسائل النقل المتنوعة وتتشكل في كيلومترات معدودة من قطعة على الطريق الرئيسية الرابطة بين قريتي تالوين وتازناخت.
كذلك كان دأبه طوال ما قضاه من عمره يشتغل إماما في ذلك الدوار المعلوم حتى ودع الجميع آخر قرون الألفية الثانية في التقويم الميلادي.
كان الفصلُ صيفا وقد مضت سبعةُ شهور بالتمام والكمال من أولى سنوات الألفية الثالثة، في الثاني من شهر أغسطس سيرحل صالحُ إلى بلدته في زيارته الأسبوعية المعتادة ليقضي فيها بعضَ الوقت سيستريح قليلا وسيَطَلِع على أهل بيته ويتفقد شؤونهم وأحوالَهم، قضاها وفق البرنامج المحدد عنده منذ زمان، التقى أهلَ بيته وأهلَ البلدة وتفقد الحقولَ ولعب الكرةَ مع الشباب وقرأ الحزب الرتيبَ مع الشيوخ في المسجد، استيقظ باكرا يوم الجمعة كالمعتاد وتناول فطوره وأخذ وجهته إلى مقر عمله ووظيفته، قطع الشق الأول من مسافة الطريق على قدميه وانتظر قليلا على قارعة الطريق الرئيسية لتصل حافلة ركاب قادمة من مدينة أكادير تشق طريقها نحو مدينة وارزازات، بوقوفها لتتخلص من بعض ركابها الذين كانت قِبلتُهم مقر جماعة تاسوسفي سيمتطيها صالح مع بِضْع ركاب آخرين كانوا معه من المنتظرين، لم تكن الحافلةُ بحاجة إلى ركاب إضافيين فقد كانت كلُ مقاعدها مملوءة عن آخرها وفصل الصيف في عزه ووثيرة الأسفار في ذروتها، لذلك كان وراءَ ركوب من ركب المزيدُ مِن حِرص الراكبين ومناشدتهم للسائق ومساعده، ركِب صالحُ وظل قائما إلى الأمام راضيا بوضع الوقوف ريثما تقطع به الحافلة مسافة الطريق في مدة زمنية لن تدوم أكثر من ربع الساعة، قطعتها وتوقفت أمام مقر الجماعة القروية لسيدي احساين، كان صالحُ أولَ من غادرها ليتحرك بخفة وسرعة وهَمَ بقطع الطريق إلى الجهة الأخرى دون أن يلوي على شيء ولكن سيارةَ إسعاف مجنونة أتت من الاتجاه المعاكس منطلقة كرصاصة طائشة تسير بسرعة جنونية مفرطة، قدِمت من الجماعة القروية أسايس على متنها امرأة حاملُ تواجه مخاضا عسيرا، لمَسَتْ صالحا لَمْسا خفيفا بجانبها الأيمن وهو على وشك أن يقطع كلَ الطريق ولكن السرعة المفرطة لسيارة الإسعاف ربما قد التقت مع خفة صالح فحملته جسدا طائرا في الهواء فألقَتْ به بعيدا ليقع رأسُه مباشرة فوق حجر كبير على قارعة الطريق …..

>>>> يتبع

عبد العزيز الزاهي

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية