3نوفمبر
14429614_9589247181_114397408_n

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتي .. (ح/14)

وذات يوم من أيام الله في سنة 1982م وبينما الناس في الدوار منهمكة مع طقوس الاستقبال لعيد المولد النبوي القريب إذا بنبأ عظيم يصل البلدة ليعكر صفو أجوائها ويُخمد أنفاسها ويُنعي ذلك الشابَ الذي يطرق أبواب الكهولة والذي صار منذ أشهر معدودات زوجا فأبا، وصل الخبر ونزل على قلوب الساكنة كصاعقة من السماء، جاء الخبر جد مسرعا إلى السوق الأسبوعي بتالوين عبر خطوط الهاتف الثابت، تحدث عبره إلى المخاطَب من الجانب الآخر أحدُ أصدقاء الهالك من أبناء البلدة ممن كانوا يشاركونه في الأشغال وحضر الفاجعة ونقل إليه بنبرة الحزن العميق نبأ الموت المفاجئ الذي لم يكن أحد يتوقعه في شكله ومضمونه، بينما والد الضحية فقد شاءت الأقدار أن لا يحضُر المأساة وقد رأى فيما رآه من إجراءات الرحيل والعودة إلى الأهل بالدوار أن يسبق هو بأيام معدودات على أن يلتحق به الولدُ بعد أن يكمل جزئية من جزئيات الأشغال، وكانت الطامة كبرى لَمَا عُلِمَ بأن روحَ بلعيد لم تُزهَق وحيدة بل أُزْهِقَت معها في الحال روحُ صديقه مُحْمْد وهما معا من أبناء النسيج العائلي الواحد رغم افتراق موضعي النشأة والولادة في القبيلة.
كيف كان ذلك كذلك وكيف جاء الموتُ يلقي بأحد ألويته الحمراء في أفق حياة تلك الأسرة المكلومة؟ فبينما الشابُ بلعيد وهو يستعد لمغادرة المدينة في اتجاه الدوار ليحضر مع أهله وأهل البلدة أجواء عيد المولد النبوي الشريف، استقر عنده رأيُ الضرورة القصوى بالمكوث يومين أو ثلاث ليُكمل جزئية من أشغاله لم يكن الوقتُ ليسمح بتركها إلى حين عودتِه ورجوعِه من عطلة العيد، وبينما هو وصديقه يمسكان بقضيب طويل من الحديد الصلب المستعمل في البناء ليبسطاه على شرفة البناية إذا بتماس كهربائي عنيف جد قوي يحدث بينه وبين الأسلاك الكهربائية التي تعبر فضاء ورشة البناء والتي تنقل إحدى أهم وأكبر الشِحنات الكهربائية إلى العاصمة الاقتصادية في البلاد، كانت ورشةُ العمل داخل محطة التزود بالوقود على مشارف الدار البيضاء من جهة الجنوب في منطقة تدعى (عين حلوف) تقع على المحور الطرقي إلى مدينة برشيد وهي تابعة لشركة المحروقات (طوطال)، وما تزال تلك المحطةُ ومَرافقُها قائمة بذاتها إلى اليوم تحمل اسمها في نفس المكان شاهدة على حادث الشغل المشئوم وتُذَكِر كلَ من مر عليها من أبناء البلدة بالفاجعة المؤلمة، يروي الشاهدُ العَيان أن المُهلةَ الزمنية لخروج روحي الفقيدين لم تزد على أجزاء من الثانية نظرا لشدة التيار الكهربائي العالية جدا.
وما زلت أنا أذكر ذلك الحادث المشئومَ الأليمَ وجرائره، فقد كنت طفلا صغيرا أتابعُ الدراسةَ الابتدائية بالدوار وكان لزاما علينا حينئذ أن نمر كل يوم أربع مرات أمام باب البيت الذي يشهد المأتم الجنائزي الرهيب، لقد كانت دارُ الضحية تقع مباشرة على الطريق الرئيسية إلى المدرسة، كنا نمر بالقرب منه ونجد جمعا من النساء تتوسطهن أرملةُ الشهيدِ الباكيةُ الحزينةُ المولولةُ والحضورُ النسائيُ من حولها يتلقى العزاء في وفاة زوجها.
أجل، لقد صيغ ذلك القضيبُ الحديديُ الصَلبُ ليكون دعامة من دعامات البناء والعمارة ولكنه قبل أن يكون كذلك فقد شاءت الأقدار أن يكون دعامة لجسر عبور، جسر ستعبر عليه نفوس كُتِب عليها الرجوعُ إلى ربها في المكان المحدد والزمان المحدد.
ومما كان يَعجَب منه بعضُ الناس من أهل الدوار زمنَ الصاعقة وتحارُ معه عقولُهم أنْ كانت بدايةُ حياة هذا الشاب الذي يحمل اسمَ بلعيد في يوم عيد الأضحى وأصبحت نهايتُه في يوم من أيام الاحتفال بعيد الميلاد، فالشهيد الراحل رحمه الله تعالى كان قد فتح عينيه ليرى نورَ الحياة ذات يوم من أيام عيد الأضحى وأغمضهما ليدخل ظلمةَ القبر ذات يوم من أيام عيد الميلاد، لم يكن بين وفاته ووفاة أمه أمد بعيد ولكن كان بين قبره وقبرِ أُمه فرقُ ما بين مسقط رأسه ومقر عمله.
وأما شقيقه صالحُ فقد لبث في مدارس سوس العتيقة بِضعَ سنين……

……………. يتبع

بقلم : عبد العزيز الزاهي

 

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية