30أكتوبر
14429614_958994154247181_114397408_n

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتي .. (ح/12)

يقولون إن أهلَ القرى والبوادي يستيقظون باكرا على إيقاع نغمات الطيور وصُياح الديكة وتغريد العصافير التي تطير في الهواء وتحط على الأسطح والشرفات وشباك النوافذ، أجَلْ، ولكنَ جدي خلال بعض رحلاته المستعجلة المبكرة إلى الحقول هو من يوقظ العصافيرَ في أعشاشها وعلى الغصون والأفنان ضربا بالمنجل والفأس والمجرفة (العتلة) والمحراث على الأرض والأحجار وجذوع الأشجار، يحكي عنه والدي رحمهم الله أنه لا يهدأ له البالُ دون أن يتولى لنفسه بنفسه أعمالَ الفلاحة والزراعة وأنه يباشر أشغاله بيده اليسرى النشيطة المروَضة واليُمنى الأقل نشاطا وتدريبا رغم خدمات الخماس المداوم وبالرغم من أشغال المعاونين الموسميين، في بعض الأحيان تدعوه ضرورة الامتداد الزمني لحصص السقي الجماعية إلى المكوث داخل الحقول إلى أوقات متأخرة من النهار ولا يعود إلى البيت إلا إذا عسعس الليل وأقبل بظلامه.
ومما كان يُبرهن على مكانتي عنده رحمه الله أنه كان يُردفني أمَامَه من حين لآخر على ظهر بغلته في رحلات عودته إلى الحقول بين الظهر والعصر كل يوم ويحملني أحيانا على كتفيه إلى الجامع كلما قصده لأداء الصلاة أو زيارة الفقيه، يحيطني بيديه الاثنتين كلما جالسته داخل الدار وينادي عليَ باسم (وازيز) نزولا عند قاعدة الترخيم أو التشبيب أو التشويه التي تشمل النداء على بعض الألقاب في اللغة الأمازيغية وتَطَال العديدَ من الأسماء وهي لا حصر لها ومن بينها على سبيل المثال ( بورْحيم بوكريم باحسين موحمد بوسلام همو موح حمو بيهي حسي آلي ابريك آثمان عبو وغيرها)، وكان جدي رحمه الله يقول لوالدي عني إن عُقدةَ لسانِ هذا الصبي لَهِيَ إحدى علامات وبوادر الحب والعِشقِ الذي سينشأ معه في مستقبل عمره للقراءة والكتابة عملا بمقتضى الحكمة الإلهية التي تجعل العقابَ والجزاءَ على حد سواء في أغلب الحالات من جنس العمل، وإن حالةَ لسانه المعقود إنما هي كذلك لتُحَلَ بعد ذلك عقدتُه ويصير إلى مراحل من عمره سيهوى فيها المطالعةَ ويتذوق حلاوة القراءة والتلاوة شأنُه في ذلك كشأن السجين وهو يغادر أقبية السجون والمعتقلات المظلمة الموحشة ليعانق أجواء الحرية الفسيحة ويتنسم هواءَها ويستلذ حلاوتها.
لقد تكللت العمليةُ الجراحيةُ إذا بالنجاح الكاملِ ومرت عليَ وعلى الأهل بردا وسلاما وبأقل ما يمكن من التكاليف المادية والمعنوية، سلِمتُ من العواقب الوخيمة واجتاز الحلاقُ الجراحُ امتحانَه التطبيقيَ بسلام واستحق معه أن يحمل لقبَ أبي الجراحة القديمة والحديثة بالقرية و يُنعت زهراوي تالوين ونواحيها أسوة بأبي القاسم الزهراوي الأندلسي الشهير بكونه أول الأطباء الجراحين في التاريخ.
في البداية حاول أهلي أن يفكوا عُقدة لساني ليستقيم نطقي ولأُكلِمهم بطلاقة لسان ويفقهوا قولي وفي التالي أصبحتُ في أعينهم بأمس الحاجة إلى تعلم دروس الصمت واختلاق البَكَمِ الاصطناعي الجميل، نعم لقد تمت العمليةُ بنجاح ومررتُ على تجربة الطب البديل سالما غانما، فُكَتْ عُقدةُ لساني وأصبحتُ ذا نُطق سليم وصِرتُ أتحدث أحيانا بإفراط في الكلام حتى أن بعضَ أفراد أسرتي يَشْكون ثرثرتي ويشمتون بي مازحين في سخرية بريئة ويقولون يا ليث ذلك الحلاق لم يصنع بك ما صنع وما ضَرَ لو بقيتَ ذا بَكَم.
لقد كانت حياتي أقوى من شفرة ذلك الحلاق بدليل أنني ما زلتُ اليوم بفضل الله حيا أُرزق، واستطعتُ الانتصارَ في واحدة من معارك زمن الأخطاء التي تُخاضُ تحت ألوية المغامرات والتهور، انتصرتُ فيها وأنا صبي ضعيفُ القوة وقليل الحيلة لا أملك غيرَ البكاءِ والصراخ والدموع.
والحق أن هذا الحلاقَ الجراحَ بطلُ شجاع ….

……………. يتبع

بقلم : عبد العزيز الزاهي

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية