11أغسطس
20786500_1421224301280627_541625318_n

أقلام حرة : في قريتنا زفاف …

 نستيقظ مع صياح الديكة في أول أيام الأسبوع وكل الأنظار تتجه نحو بيت العروس، صغار القرية ينطون هنا وهناك، فترى الفتيان يهرولون في مسالك القرية والفتيات يتجمعن على شكل حلقات صغيرة هاته تحاول تزيين كف صديقتها بالحناء بعود صغير في مشهد تمثيلي ساحر، وتلك تمشط شعر دميتها بكل حنان كأم تهيئ إبنتها لليلة عرسها، حديث مجالس الرجال لا يكاد يخلوا من أخبار الأعراس وذكريات الأجداد وجديد سوق الأبقار الذي سيقصده أب العروس عند بزوغ خيوط الفجر الأولى والذي حيث يجلس متوسطا بعض الرجال يستشيرهم في ما سيقوم به محاولا جمع أكبر عدد من النصائح لكي يفوز بصفقة تشمل بقرة أو عجل سمين، يفتخر به عند اقتياده الى المدبحة، الكل هنا يفكر في نفس الشيء، الكل سيلغي مواعيده لكي يلتفوا حول هذا الحدت الذي ينتظرونه بشغف مند مدة فتراهم يعدون الأيام والشهور كأمر يخص كل شخص فيهم هكذا هم أهل البادية يفرحون جميعا ويحزنون جميعا كالجسد الواحد،فتراهم يلتفون حول صاحب العرس هذا يحطب الحطب وداك يوقد النار وهؤلاء يقتادون الدبيحة وآخرون يجمعون الأواني، ويطلقون على هذه العملية “تيويزي” أي التعاون، اما الفتيات فلهن ليلتهن وهي ليلة الحناء ففي نهار تلك الليلة تحمل كل واحدة منهن حبلا يحتطبن لأهل العرس بكل سخاء، ليجتمعن بعذ ذالك أمام أواني الحناء يضربن الدف في جو إحتفالي بهيج وبين العروس كأنها البدر ليلة إكتماله تكاد تلمح بريقا في عينيها يشبه الوميض أو ملكة نحل تتربع على عرش الخلية كيف لا و الكل هنا يفرح لفرحها أخيرا ستتزوج من أحبه قلبها مند زمان وقد طال إنتظارها كثيرا بسبب ظروف زوجها المادية التي كان يستحيل معها عقد هذا القران، وأمامها مباشرة تتربع صديقتها المقربة تمسك بيدها لتنكب على يديها تزينها بالحناء وتردد معا باقي الفتيات أغاني البهجة والسرور، فاللنساء المتزوجات أيضا نصيبهن من العمل حيث يجتمن في فناء الدار وحولهن أكياس من الزرع نثر بعضه فوق موائد ينقينه بكل عناية وتسمى كذالك هذه العملية “بأفْرٙان” وهن يرددن ألحانا أمازيغية جميلة تسمع من بعيد وبينهن أم العروس كأنها نحلة نشيطة تغني معهن لفترة وتهرع نحو المطبخ لتؤكد على إعداد المزيد من الشاي وفي عنقها مفاتيح المخزن تمر عليه في طريقها لتجلب معها طلبية ابنتها الصغرى ربما علبة من فاكهة مجففة أو مسحوق يستعمل لغسل الأواني، كل هذا يحدت قبل الزفاف بيوم أو يومين،وفي يوم ماقبل العرس يتجه فتيان ورجال القرية لمكان يخصص للدبح يدبح فيه في مثل هذه المناسبات فيتجند الجميع كل حسب تجربته ليستكملوا مهمتهم على أحسن وجه، ويأتي اليوم الموعود وغالبا يكون يوم الخميس عند العروس ويوم الجمعة عند العريس يستفيق الجميع عند خيوط الفجر كأنهم سرب نمل في نشيط، هناك من يوقد النار وهذه المهمة تمنح لأحد رجال القرية يوضع عليها برميل من الماء المغلي يستعمل خصيصا للشاي ، وعلى مقربة من المنزل تجلس إمرأة وحولها أواني مملوءة بالعجين وأمامها فرن أو” تفرنوت” أعد خصيصا لهذه المناسبة منذ أسبوعين تقريبا كما هي العادة إد يعتبر هذا النوع من الخبز أساسيا في مثل هذه المناسبات، يتفرق الجميع شبان وشبات كل في زمرته هناك من يباشر عمله ويعد الأواني وهناك من يتجه نحو المطبخ للمساعدة عندما أرى مثل هذه المناظر أستحظر نمودج المدينة في مثل هذه المناسبات فالفرق بينهما كالفرق بين السماء والأرض، هناك حيت العزاء والفرح سيان ويستوي فيه الجار والغريب، الضيوف بدأوا يتوافدون على بيت الزفاف هنا الكل يلبي النداء منهم من يحمل في يده قالبا أو إثنين من السكر أو صندوق كامل حسب رغبته لكن المستحدث هو بعض الهدايا التي تمنح للعروس غالبا تكون عبارة عن صحن كبير مزركش لف بقطعة مزركشة هي الأخرى، أو لوحة حائطية عليها آية قرآنية أو غطاء سرير في لون صيفي… تختلف الهدية من شخص لآخر لكن تبقى رمزيتها واضحة، تعج البيت بالحركة لتعلن بدأ مراسم الزفاف بشكل رسمي كؤوس الشاي المشحر يعطى شرف تنصيبه لأحد الأعيان تكتمل فيه شروطهم وتجتمع عليه رغبتهم لبراعته في إعداد كأس شاي يشفي غليل المتلهف، بعدها توزع أطباق الحلوى اللذيذة وسط أحاديث عن القرية وعن المغتربين الذين كان هذا الزفاف سببا في رجوعهم إلى حضن القرية فتتعالى الأصوات هنا وهناك وتُسمع القهقهات على أفواه الحاضرين، ليقدم لهم الأكل بعدها، وغير بعيد عنهم تكتظ غرفة العروس بفتيات في جميع الأعمار يتمايلن على إيقاعات الدف كفراشات في في مشارف الربيع ويغنين أحلى الألحان، وكل واحدة منهن تتمنى الجلوس مكان العروس التي تتكئ فوق أريكة أعدت خصيصا لها وحولها الفتيات كعقد ألماس،ي حل المساء وينشغل الجميع بالوفدين الجدد ليحضر لهم مالذ وطاب من المأكولات دجاج أو لحم بقر أو غنم مع قنينات المياه الغازية وتلك المعكرونة الرقيقة التي توضع بإمعان فوق الصحون والفواكه الموسمية، لكن قبل ذلك تتوجه الأنظار نحو الباب الأمامي للمنزل حيت تتجمع الفتيات وفي أيديهن ورود وأطباق حلويات وبالونات ملونة أو مايسمى (بالهدية) تنتظرن سفراء منزل العريس الذين وقفوا أمامهن مباشرة وفي يد أحدهم كيسا ملفوفا ومليئا بألبسة العروس (من قفطان وبلغة وحزام للرأس ومنديل أحمر يسمى (القطيب) يحمله شخص مميز ومختار من طرف أهل العريس يترجل من السيارة ويركب على بغلة بيضاء، فتتقدم إحدى النساء التي يلقبونها ” تامزوارت” أو المقدمة وهي التي تلازم العروس وتشرف على كل شيء إلى أن يتم إصطحابها إلى بيت زوجها، تتقدم وتمسك لجام البغلة وتلف بها لفات مصحوبة بزغاريد نساء القرية وهتافات الرجال، تنتهي هذه الطقوس ليتوجه الجميع نحو ساحة أحواش التي يتناغم فيها الإيقاع باللحن فتيات يشكلن دائرة في منظر متناسق أخاد، وفي الوسط يجتمع رجال يضبطون إيقاع الدف والطبل هنا لا مجال للخطأ إما أن تكون محترفا أو تنسحب بهدوء، وإلا كنت حديث الغد في حقول القرية تتهامس بك الفتيات بينهن، وعلى مقربة منهم يقف الرايس أو أنضام وغالبا يكونان إثنين يتجادبان أطراف الشعر الآني يحاولان معالجة مواضيع الساعة وهموم القرية في عبقرية قل نظيرها، تنتهي فصول هذه الليلة والموعد اليوم الثاني في منزل العريس حيث ستزف العروس لعروسها في جو تختلط فيه الدموع بين دموع فرح وحزن فرح للقاء الحبيب وحزن لفراق الأحبة، دموع أمي العروس تسيل كلما لمحت قطرة فوق خد إبنتها،تلك هي سنة الحياة أحيانا أحسدهن على قوة التحمل تغادر عالما رسم ملامح طفولتها واكمل لوحة شبابها الى عالم لم تألفه ولم تتعود عليه،تترك ورائها أمها وأبيها و إخوتها، غرفتها وذكرياتها كل شيئ في سبيل زوجها واتباع سنة الحياة، تزف على ظهر بغلة يستحسن أن تكون بيضاء لإبعاد النحس كما يقولون وأمامها أخوها يمسك بلجام البغلة، وسط حشد من الناس تمتزج فيه الزغاريد بألحان أمازيغية تحت العروس وأهلها على الصبر عبر معاني متناسق تأخد القلب، الموكب يصل أخيرا إلى بيت العريس وهو في كامل أناقته ينتظر على أحر من الجمر أن تصل شريكة حياته ورفيقة دربه بجلباب أبيض ناصع كالثلج وعمامة وبلغة وسروالا كلون الجلباب موشحا خنجرا على كتفه الأيمن يسمى “الكوميت” الذي إن ذل على شيئ فإنما يدل على الرجولة المتكاملة عندالأمازيغ وعزمه على إستكمال دينه، في يده صحن مملوء بأنواع الحلويات ينتره فوق الرؤوس وبينهم رأس عروسه فيتهافت عليه الصغار محاولين الفوز بعدد كبير منها، فور دخول العروس والوفد المرافق لها تبتدأ مراسم العرس مشابهة لليلة العروس حيت تقوم بعض النسوة بجعل العروس تحت إزار مع ترديد بعض الأمداح بعد ذالك يقوم طفل لم يبلغ الحلم بعد بقطع ظفيرة العروس وهكذا تنتهي طقوس عرس أمازيغي مكتمل الأركان وأعلم أني بمحاولتي هذه لم استوفي جميع المعلومات وقد إجتهدت فقط وأتمنى أن أنال أجر المجتهذ وإن أغفلت عن شيء إنما سهوا مني أو لم أسمع به في منطقتي.

بقلم : عمر أنير بنبوهو

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية