8مايو
PicsArt_05-08-07.28.32

اقلام حرة: اولوز عروس تنتحر ببطىء معلقة بمستقبل مجهول.

تسيرُ أولوز في مسارٍ متقهقر إلى الحضيض بالمقارنة بالجماعات المحليّة المجاورة. مسارٌ يعرفُ عدّة اختلالات و شوائبَ تتعلّق بالتدبير و التسيير الذي تنهجه الجهات المتدخلة في تسيير المدينة النامية و على رأسها الجماعة الحضارية أو البلدية. لا يخفى على زائر المدينة تردّي الطريق الرئيسة التي أنهكتها الأشغال المتوالية نتيجة الساقيتان اللتان تمّ حفرهما في جانبي الطريق الوطنية رقم 10. كما تعرفُ أولوز ولا أحد ينكر ذلك غياباً لقنوات الصّرف الصحي، إذ بإمكان المتجول بين أحيائها المغمورة و المشهورة على حدّ سواء أن يلاحظ مياه الصرف تغطّي الأزقة و تعرقل الحركة، كما أنها تخلّف روائحَ كريهة و غير مقبولة صحياً. وجليّ افتقارها للمرافق العمومية و الفضاءات الثقافية التي قد تحتضن الشباب و المرأة. بموازاة ذلك تعرفُ أولوز نقاشاً حاداً بين الفاعلين الجمعويين و السياسيين حولَ مستقبل أولوز و مصيرها الغامض الذي يسيرُ في نفق مجهول.
لقد كانَ النقاشُ حادً داخل قاعة الاجتماعات كما هو خارجها، إذ عرفت الدورة الأخيرة للمجلس الجماعي نقاشاً حول مصير أولوز ”المجهول” و الذي أثير خلال انعقاد دورة ماي. نقاشُ انتقل عبرَ القاعة نحوَ العالم الافتراضي الذي عرفَ بدوره منذ فترة رواجاً للأسئلة و الحوارات التي تناقش مستقبل المدينة. كانت مداخلة العضو المحلّي للمجلس البلدي محمّد مساعد تحملُ غيرة كبيرة و حرقة على المدينة النامية. بحيث طرحَ عضو المجلس علامات استفهام كبيرة و مهمّة حملت حرقة و وجعاً يضمرُه كلّ غيور عن المنطقة، و لا يخفى على أحد حال أولوز الذي ظلّ على حاله منذُ عقود دون تطوّر يذكر. حال المدينة عكسته مداخلة الشاب محمّد مساعد التي تحدّثت بتفصيل عن المشاكل التي تعاني منها أولوز في شتى المجالات و الأصعدة. مما جعلها مداخلة اعتبرها الجميعُ صرخة تمثّل ساكنة أولوز في معظمها التي لا ترضى للمدينة حالاً كالحال التي هيَ عليها. لقد لقت المداخلة رواجاً على المستوى الافتراضي بحيث تمّت مشاركتها على نطاق واسع، رواجٌ خلقَ سجالاً في أوساط المجتمع الأولوزي الذي لا يقلّ وعياً بالمشاكل و العراقيل التي تواجه مستقبل المدينة.
إنّ المدن النامية تحتاجُ إلى تهيئة و برنامج للمستقبل؛ شيءٌ تفتقده أولوز بلا شكّ. فهيَ مدينة نامية لكن بلا مستقبل قد يلوح في الأفق. المدينة النامية بشكل عام تحتاجُ إلى طرق، و الطريقُ في أولوز مجّرد خطّ أسود غمرهُ الإسفلت فتحفّر. يستحيلُ مع الواقع الحالي توسعة الطريق و إصلاحها في ظلّ تواجد ساقيتين على جانبي الطريق. ساقية أولى تسيّرها ” أمان سوس” التي حفرت الجانب الجنوبي للطريق الوطنية بمحاذاة الإسفلت دون أن تترك مجالا لتوسعة الممر. وساقية أخرى ترقد على الضفة الأخرى من الطريق على مسافة أقل من متر من الإسفلت في بعض الأمكنة. أمرٌ يجعلُ من المستحيل توسعة ممر السيارات أو إحداث ممر للدرّاجات كما هو معروف و متداول في باقي مدن المملكة. كما أنها أي الساقية حكمت على مستقبل الطريق بحالٍ وحيد، و الأمَرّ في كلّ هذا صمتُ المجلس الجماعي الذي لم يحرّك ساكناً أمام واقع الحال. وبذلك يظلّ مستقبل الطريق مجهولاً.
بينما تمّ إعدام مستقبل الطريق الوطنية رقم 10، يظلّ مشكل الصّرف الصحي عالقاً، بين أيدي المكتب الوطني للكهرباء و الماء الذي بدوره وقفَ متفرجاً أمام عبور الجرافات التي تحفر الساقيتين واحدة تلو الأخرى، وما تزالُ الحفارات تملأ جنبات الطريق منذ سنوات. هوَ إذن حكمٌ بالإعدام على مشروع إحداث قناة للصّرف الصحي. إذ لا يمكنُ بأي حال من الأحوال إحداث قناة للصرف الصحي بأولوز، أو حفر ممر أو نفق للقنوات يمحاذاة الطريق أو الشارع الرئيسي في المدينة، فالقناتان تحتلان الطريق يميناً و يساراً. و بذلك يسيرُ مشروع الصرف الصحي نحو المجهول.
ومن ناحية أخرى، يجدرُ بالذّكر تغيّر ملامح المدينة ومعالمها بسبب الجرافات و الحفارات التي تحفر على مدار السنّة ساقية بعد أخرى، فتمّ هدمُ برجين كانا بمثابة علامة لأولوز و معلمَة من معالما. هذين البرجين كانا يستقبلان الوافدين على المدينة و يودعان الخارجين منها، وكانا معلمة تاريخية قديمة بأولوز، ولمّا جاءت الساقية الأولى أعدمتهما و مسحت آثارهما وطمست معلمة من معالم أولوز. هيَ إذن حلقة تتكرّر، هدفها على ما يبدو أو على الأقل ما يتنتجه ساكن المدينة هو طمسُ أولوز وطمرها و جعلها تتقهقر للحضيض عاماً بعد عام. وهو واقع يضع مستقبل المدينة في خانة المجهول.
ومن الناحية المعمارية تنمو المدينة كالفِطر نحو الجبل و تتوسع بشكل لافت ولا تواكبُ الجماعة المحلية هذا التغيير و النمو في ظل غياب تام لإرادة تهيّئ لمدينة مهيّأة بشكل جيد. إذ يعتبرُ العمرانُ من آفة و معضلة كبيرة أمام كلّ المدن الطامحة للنمو، لذلك وجبَ التحكم فيه و إخضاعه لمعايير البناء المعتمدة في الجودة و التجهيز و الهندسة. أمرٌ لا تعيرُ لهُ الجهات المسيرة للجماعة أي اهتمام في ظلّ غياب مشروع يهيّء المدينة و يخضعها للمعايير الجادة، فالبناء في أولوز خاضع كما السياسية لمنطق الولاء و الانتماء و يتم خلطُ أوراق السياسة بالمسائل التقنية القانونية المعتمدة في المجال. ولا يخفى على زائر من زوار أولوز عدم توافق الأبنية مع الشوارع الرئيسة التي لا تخضع لهندسة موحدة ولا لمنطق سائد يغلّب مصلحة المدينة ومستقبلها على المصلحة السياسية و الحزبية.
كما تفتقر المدينة إلى فضاءات خضراء و مرافق عمومية و ثقافية للترفيه. فكثيراُ ما دعى الشباب الأولوزي إلى إحداث مرافق تحتوي الطاقات الشابة كما في المدن المجاورة التي تحتوي على مرافق كتالوين و أولاد برحيل على سبيل المثال، اللتان تقدمتا بشكل جيد في هذا الصدد. و تحتاجُ أولوز إلى دار للأمومة و دار للمواطن و دار للشباب ومرافق أخرى تحتضنُ المرأة و الشابة و التلميذ و التلميذة و الطالب الجامعي الذي يجدُ نفسهُ مضطراً أن يغادر نحو المدن المجاورة من أجل خدمة تتعلق بالبحث و الدراسة. جميعها أمور تتعلق بالتنمية المجالية و التنمية البشرية التي يتغنّى بها المسؤولون في الحملات الانتخابية في ظلّ غياب وازع معقول غيرَ الحصول على الأصوات مقابل بيع المدينة في المزاد علناً ودونَ ترخصي من الساكنة. هيَ حاجات ترفعُ من قيمة الانسان وتخلق فضاءً ينعشُ الأفكار ويحد من الجريمة و الادمان اللذان يعتبران سمة التصقت بالمدينة.
كما تغيبُ عند الجهات المسؤولة في تدبير شؤون المدينة الرغبة في خلق فضاء نظيف و مدينة نظيفة. بعد أن تمّ اختيار مكان المطرح البلدي عند بوابة المدينة، يستقبلُ كلّ والج إليها برائحة منفرة، و يودعه الخارج منها بنفس النتانة و القذارة. فليسَ من الصحي وضعُ مطرح عند باب المدينة و قريباً من الطريق الرئيسة التي تؤدي من و إلى المدينة. كما أن المتجول في أحيائها سيجدُ الكثير و الكثير من القمامة في أمكنة يمرّ منها الزوار. يبدو أن الغرض من وضعها هناك ليسَ إلا لتلطيخ وجهِ المدينة أو سمعتها التي لا يحفظها سوى وجوهٍ و طاقات و قدرات ترفعُ اسم أولوز عالياً في كل الأصعدة و شتّى المجالات.
قدرات وطاقات لا تواكبها السياسية و لا التدبير الذي تسيّر بهما المدينة التي تئنّ تحت وطأة النسيان، و يطالها الإجحاف في كلّ الجوانب و شتّى المجالات. لقد حانَ الوقتُ أن تطلقَ أولوز عنانها نحوَ المستقبل، لكنّ بأي وجهٍ و قدرة تواجه هذا المستقبل الذي لا يعدُ بشيء سوى أبواب مغلقة أمام جميع المبادرات. أبوابٌ يغلقها المجلس المسيّر أمام الفرص المتاحة و لا يستغلّها كما يستغل السياسة بشكل جيد. إنها وصمةٌ عار في وجهِ المدينة التي سبقت المدن المجاورة في التأسيس، غيرَ أن باقي المناطق تطوّرت و بقيت أولوز تتمرغ في وحلِ عقول بفكر تقليدي تتعاطى مع السياسية بالتصنيف حسب الولاء و الانتماء السياسي.
وحتّى لا يقال إننا ننشر الوهمَ أو نحرّض ضد فئة، فإنما هذه صرخة من أجل العقول الراقية و الأنفس الزكية وشرفاء المدينة، و إلى المجلس المسير للبلدية الذي لا شكّ يضمّ عقولاً مفكرة و لها رغبة في التقدّم لكنّ ثمة دوماً حواجزٌ تقفُ أمام العقل ليفكّر. حاجزُ اللامبالاة بالمرض الذي يستشري في جسد هذا الجسم المجتمعي الذي يئن في صمت. آن الأوان أن تفتح أبواب المستقبل و تفتح السياسة صدرها للتنمية و تعبّر عن إرادة فعلية، تجسّدها على أرض الواقع وليس على أوراق الانتخابات وبرامجها التي تعبر كمطر الصيف.
هيَ إذن حرقةُ تسكننا جميعاً، كما اعترت عضو المجلس الجماعي محمد مساعد الذي عبّر عنها بصوتٍ عالٍ ومسموع، نعبّر عنها كل مثقف من مثقفي المنطقة وحراً من أحرارها. و لا يخفى على كلّ ساكن للمدينة مقدار و عدد صرخات كلّ فردٍ يعبر عنها كلّ يومٍ بصمتٍ… حان الأوان أن تفتحَ المدينة صدرها بعدَ أن تفتح البلدية بابها… فهذا الوضعُ السائدُ بلا شكّ يقودُ المدينة في الظلام واليأس، و يتفتح باب المجهول.
و بأمل و نظرة تفاؤل نطمحُ جميعاً أن نرى مبادرات سياسية طموحة تحدو طموح المدينة التي تقفُ على ضفّة وادي سوس عروساً حسناء لها من المقومات ما يجعلها سيدّة المدن، ومن الجمال ما يهيّئها الصدارة، ومن التاريخ ما يجعلها عظيمة، و تمدّ يدها للمستقبل، للأمل و التفاؤل… وكلّ ما تحتاجهُ فقط، هوَ الاهتمام و الإرادة…. ستظل واقفة شامخةً و صبورة تحملُ أحلام مثقفيها و رغباتهم و طموحاتهم تنثرها كلّ ليلةٍ، كلّ يومٍ في الوادي… في انتظار العريس.

الكاتب: عبد الله اد عبد الله.

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية