20ديسمبر
6666666666

أقلام حرة : حياتنا بين الأمس واليوم .. واقع أم وهم ..!

بين الأمس واليوم تغيرت أشياء كثيرة ..تغير نمط الحياة .. تغير أسلوب العيش ..تغير سلوك المجتمع ..وتغيرت أشياء أخرى ..منها ما صار في مستودع النسيان والإهمال ، منها ما أقصي أو أستبدل بحجة العولمة والحداثة ..ومنها ما لايزال على شكله وإيقاعه لم ترصده عيون الحداثة ولم توثقه كاميرات التكنولوجيا الحديثة على إختلاف تلاوينها و أشكالها .

اليوم ، نظرة بسيطة على واقعنا المعاش ..وإطلالة صغيرة على محيطنا ..تجعلنا نقطع الشك باليقين ..تجعلنا نفتح باب التأويلات ..نجتهد ما أمكن في تحليل الوضع ، قد ننجح في ذالك ، وقد نفشل ..المهم أن نحاول ..والمحاولة في حد ذاتها ..نجاح .

ننطلق إذن من هاته القاعدة ..لنحاول أن نغوص قليلا في بضع تفاصيل ..تفاصيل زمن جميل ولى ، وآخر لحظي نعيشه .. دعوني إذن أحدثكم قليلا (إن وافقتم طبعا) ..وسأرجع بكم للوراء قليلا ، بالأمس القريب كنا نعيش حياة واقعية ملموسة ، واقعية بكل تفاصيلها من حيث الزمان والمكان والأحداث وملموسة من حيث التجسيد والرؤية والأهداف .. نحتسي كوب قهوة مع الأصدقاء بدون أن نخبر العالم بذلك .. نحتفل بنجاحاتنا و أفراحنا دون الحاجة لإشهار ذلك .. نفرح و نحزن دون أن يعلم العالم بذلك .. نجتمع مع عائلاتنا على طاولة الإفطار بدون أن نخبر الجميع أن الوجبة شهية أو الطعام لذيذ ..نقوم بسفريات نزهة وإستجمام الى أماكن متعددة دون أن نهمس بذالك لأحد ..نرقص ، نغني ، نلعب ، نتسكع ..دون أن نصرخ ونهتف بذالك ..نفعل أشياءا كثيرة متنوعة ومختلفة ، نفعلها لأنفسنا وفقط ، حتى علاقاتنا كانت علاقات حقيقية مع أشخاص حقيقيين ، إن أحببنا أحدهم أحببنا طريقة كلامه .. تعابيير وجهه .. ضحكاته .. نظراته، و إن ناقشنا آخرا ناقشناه وجها لوجه، تختلط أصواتنا .. ترتفع .. تنخفض .. ننظر إلى أعين بعضنا بنظرات ثاقبة .. دامعة .. ساخرة .. محبة .. ثائرة ، نفهم بعضنا بدون أن نحتاج للكلمات أحيانا .. تتعالى ضحكاتنا .. تدوي صرخاتنا .. نتعلثم أحيانا أخرى .. نتثائب فتتشوه الكلمات .. نتراضى بابتسامة أو مزحة ..وتمضي الحياة .

اليوم لم يعد الأمر كذالك ..تغيرت أشياء كثيرة (لا داعي للمقارنة ولو من باب المحاولة) .. لقد تحولت حياتنا الواقعية بكل تفاصيلها إلى أخرى افتراضية وهمية لا ندري حقيقتها ولا نلمس درجات وجودها من عدمها ، بل وأضحت شاشات هواتفنا النقالة وحواسيبنا نافذة تفصل بين العالمين ..لا نعي من الأصل فيهما ، هل العالم الواقعي أم الإفتراضي .صرنا مرتبكين قليلا. اليوم دخل حياتنا العالم الإفتراضي..دخل خفية من دون أن ندخل نحن ذالك في حساباتنا .. فأصبح لدينا صديق وهمي، تعليق و إعجاب وهمي، ضحكات وهمية .. نكتب بوجه عابس أحيانا ، وبآخر ضاحك أحيانا أخرى ، إن اشتقنا لشخص أرسلنا له رسالة و إن غضبنا من شخص حذفناه من قائمة الأصدقاء ..ببساطة أصبحت ردود أفعالنا عبارة عن نقرات على الشاشات ..ودردشات على النوافذ , هجرنا الواقع ، هجرنا الطبيعة ، و فضلنا لوحة المفاتيح على الوجوه و الكلمات .. هجرنا عائلاتنا ..أسرنا وأهالينا.. هجرنا أصدقائنا ومحبينا ، هجرنا تفاصيل حياتنا البسيطة والجميلة ، هجرنا المواقف و المحادثات و النقاشات ..إبتعدنا عن قراءة الكتب ، عن الثقافة والفن ، عن المسرح والموسيقى .. هجرنا أنفسنا و تهنا لا نعلم أي عالم سنعيش ..الواقع أم الوهم .

ستقولون ..كل هاته الأشياء نحن نعرفها ..ونعيشها أيضا ..نلامسها ..ونعيها جيدا..لم إذن تكتب ؟

أكتب لرفع اللبس عن البعض (قلت البعض ..) أكتب لأني إشتقت كثيرا لذاك العالم الأبيض النقي ، حيث البساطة تغطي جنبات الحياة ..وحيث نوافذ الأمل تنبعث من كل أفق ..أكتب لأن الواقع اليوم ليس بخير ..صدقوني ، ..ليس بخير حين تغيب الإبتسامة عن وجوه الصغار كما الكبار ..وحين يغيب السلام والأمن في الشوارع وفي المتجمعات..ليس بخير حين تفتقد مجتمعاتنا لقيم العطاء والكرم والسخاء .. ليس بخير أبدا حين يغيب الضمير الإنساني ..وتغيب القيم المثلى للمجتمع .

لأجل هذا أكتب ..!

 

بقلم : محمد لكروبو

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية