10ديسمبر
copie-de-000000_114397408_n

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتــي .. (ح/23)

سترجعُ بي الذاكرةُ مسرعة لتطوي من عمري ساعات معدودات وسنوات عديدة، سترجع بيَ لأمُرَ أولا على الصدمةِ العنيفة عند حادث السير ثم أمضي في اتجاه الصعقة الكهربائية عند حادث الشغل ثم أمضي لأقف عند سر الدعوة التي كانت تترد كل وقت على لسان الأم (ألا كلثوم) وترفعها كل حين إلى ربها تتمنى أن يكون لقاؤها بالله قبل لقاء أي من أبنائها به، وتُجاهر بعجزها عن رؤية فلذاتِ كبِدها جثامين في الأكفان كأنما المسكينة قد أوحى اللهُ لها بالنهاية الدرامية المأساوية لكل منهما وأَطلَعَ قلبَها على حدة وخطورة القنطرة التي سيَعْبُران منها إلى الضفة الأخرى أو هي قد قرأت بلغة لا سلك القلوب عن الصيغة التي سيتخذها مصرعُ كلِ واحد من أبنائها.
ألا وإن أعظمَ ما اشتدت به حيرتي في شأن معركة القتال على جبهة الطريق هو حكايةُ بطلها، أقصد به سائقَ سيارةِ الإسعاف القادمةِ من منطقة الجماعة القروية أسايس تطوي المسافات وتخترق المدى اختراقَ البرق لأجواء السماء، تسارع الرياح وعلى مثنها نفس ستخرج إلى الدنيا لتستقبل الحياة وفي انتظارها على الطريق نفس أخرى ستغادر الدنيا لتُوَدِع الحياة.
نعم، فَلَمْ تمضِ على الحادث المأساوي الرهيب إلا أشهر معدودات حتى حملتني الصدفةُ الخالصةُ على الالتقاء بهذا السائق، وكان اللقاءُ في بيت أحد أصدقاء الدراسة بمدينة الدار البيضاء ينحدر هو والسائق معا من نفس الجماعة ونفس الدوار، بل إن هذا السائقَ نفسَه لم يكن غير شقيق أحد رفاق درب الدراسة والإقامة الداخلية بثانوية تالوين، ومن الاسم العائلي له انطلق الكلام بالحديث عن الصداقة المدرسية وذكرياتها ليصل بنا إلى الحادث الأليم وحيثياته وظروفه.
ألْفَيْتُ السائق يومئذ قد بدأ ينسى أو يتناسى وقائعَ الحادثِ المؤلم لنفسه ومشاعره ولم يعد يستحب الحديثَ عنه كثيرا ولا عن جرائره ولا يؤثر الخوضَ في تفاصيله لأنه يقول إنه قد سبق أن بدأ محاولة التخلص من أعباء الندم وبدأ يتخلص شيئا فشيئا من كابوس الحادث المزعج ويحاول أن يجعل ظلاله تنقبض ويقول إنه مع أيامه الأولى بل شهوره الأولية قد ذاق مرارةَ الأرق والسُهاد وجفا النومُ كثيرا مقلتيه ولم يغمض له جفن، ولكن فضولَ البحث عن تفاصيل ما جرى وميولي إلى تقصي الحقيقة كان أقوى داخل نفسي من شعور الندم ومن أي محاولة تهرب في نفس السائق، لذلك أرغمته على الفصح عما استطاعه من تفاصيل عن رحلة الحياة والموت وعن حادث سير يخصني كقريب لضحيته وكنتُ مِن أوائل مَن نزلت عليهم صاعقتُه وأحد من عاشر الضحيةَ فترة ما بين إفاضة روحه وإقبار جثته.
قَبِل السائقُ عن مضض أن يخوض في الحديث ويحكي بالتكلف بعضَ تفاصيل الحادث فقال إن في حادثِ السير المؤلم الذي كان هو بطلَه بلا منازع لَآيات عجيبات جدا، قال إنه قد سهر الليلةَ حتى مطلع الفجر، ليلة الخميس إلى الجمعة، كان مدعوا إلى حفلة زفاف بعيدة عن قواعد بيته في الدوار، رجع عند الفجر ورأى أن يخلد إلى النوم ساعة ليستطيع مواصلة النهار بالليل يقظا ومشتغلا، إلا أن أحدَ أقرباء امرأة حامل قد جاءه ساعتها يطلب خدمات سيارة الإسعاف وقال له إن المخاضَ لا يقبلُ المزيدَ من التباطؤ أو التسويف، لم يفلح السائقُ في العثور عمن ينوب عنه في القيادة فغادروا القرية في ساعات الصباح المبكرة يقصدون المستشفى المركزي بقرية تالوين أين تنوي الحاملُ أن تضع حَملَها، وقال إنه لم يعد يشعر بالنوم ولا بالتثاؤب نظر لبعض آلام المخاض وأنينه المتواصل، تشجع وقاوم وانطلق بسرعة يشق الطريق الترابية الوعرة، وقال السائقُ المسعِفُ لقد كان بإمكاننا الوصول إلى قرية تالوين قبل وصول الحافلة القادمة من أكادير إليها دون أن يقع أي تجاوز أو تفاوت بيننا على الطريق وقال إن ساعة مروره بالمكان المشئوم أمام مقر الجماعة القروية لسيدي حساين حيث مسرح الحادثة وحيث فاضت روحُ الشهيد، كان من المحتمل أن تكون ساعة مبكرة جدا لولا أن حادثا عرضيا غريبا قد وقع وهم في الطريق إلى مركز تالوين، ذلك أنه عندما وصل بالحامل إلى إحدى البلدات بجانب الطريق استوقفه وليُ أمر الحامل يطلب إحدى قريباته لتصاحبه في مهمته لتلعب له دور المُولِدة، وقال إن هذه الأخيرة قد وجدناها خارج البيت وهي تسعى في الغابة أو في بعض الحقول المجاورة تجمع الحشائشَ فانتظرناها حوالي ساعة من الزمن إلا قليلا ، ثم انطلقت السيارة من جديد لا يشق لها غبار وهي تجري بالحامل لتصل بها غايتها، يقول السائقُ، مُقسِما بالله والعهدُ عليه، أنه في لحظة ما، وهو يقترب من موقع الحادثة ولم يعد يفصله عنه إلا أمتار قليلة، قد أحس بشعور انقباض شديد على مستوى قلبه كما لو قد وُضِع عليه رحى ثقيلة تدور حوله ثم عند لحظة ما يشعر بطيف عابر سبيل يمر أمامه كطائر مذعور ثم أحس بالجانب الأيمن من المركبة يلمسُ العابرَ لمسا خفيفا لا يكاد يُستشعر حتى أن الهيكل الخارجي للسيارة لم يكد يظهر عليه أي أثر للاصطدام ثم توقفتُ ونزلتُ لأشهد مع الشاهدين على هول ما وقع…..

يتبع<<<<<<

بقلم / عبد العزيز الزاهي

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية