6ديسمبر
copie-de-14429614_9589247181_114397408_n

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتــي .. (ح/21)

يحل بالمستشفى الآنَ عمُ الضحية ومعه اثنان آخران من رجال البلدة، كانوا ثلاثة وأنا رابعهم نجلس جلسة الانتظار، تسلم العمُ أغراضَ الشهيدِ الشخصيةَ مِن عندِ رجالِ الدرك وتسلم شهادةَ الوفاة من الطبيب الرئيسي، هكذا اختُزِلَ صالحُ أوراقا في اليد وجثة على الأرض وروحا في السماء، جلسنا في باحة المستوصف ننتظر تقرير النيابة العامة في شأن الحادثة كما أمر بذلك المسئولون، لم يأذن هولُ الفاجعة للصمت أن يعُمَ بيننا وما كان للحديث أن يدور خارج أجواء الحزن والعزاء والمواساة في فقدان واحد من أبناء البلدة ولا شيء يسمح بتغيير مجرى الكلام فاستمرت الأحاديث بالتالي تُذَكِر بمناقب المسكين الراحل وبما عاشه يوم أمس الخميس في الدوار من أحوال الشغل والجِد واللعب والمرح، قال قائل منهم إن صالحا رحمه الله تعالى قد تفَقَدَ بالنهار كُلَ الحقول في مختلف المزارع (إكران)، وقال آخرُ إنه رحمه الله تعالى عند المساء بعد صلاة العصر وكالمعتاد منه كان يسقي المياه من بئر الجامع مع بقية الشباب ويحمله إلى الملعب المحاذي للمسجد ليَرُشَها على أرضيته لتصبح رُقعتُه صالحة للعب الكرة ولَكَمْ شبع فيه ركضا وهرولة، بينما عَمُه فقد ذكر ما يعجز الفهمُ في تأويله عندما قال إن صالحا يوم الخميس على غير عادته إطلاقا قد طالبه بمفتاح دار الأجداد المهجورة وسط الدوار منذ زمن بعيد، تلك الدار القديمة التي صارت مأوى لأغنامه كل مساء تبيت داخلها بعد عودتها من المرعى، رحل إليها صالحُ في الصباح وطافها بيتا بيتا ورُكنا رُكنا كما لو كان يبحث فيها عن شيء مفقود أو ضائع وليس فيها أصلا ما يقبل الضياع، كأنما الشهيد يريد أن يودع أركانَ البيوت والغُرَف التي آوته في صغره وكَبُرَ فيها وترعرع بين جوانبها.
الآن وقد جاءت الأوامر مسرعة من عند رجال الدرك بحمل جثمان الضحية لدفنه في مسقط رأسه دون الخضوع لأي إجراء باستثناء عملية الغسل والتكفين، استقر رأيُ الجماعة على أن يُحمل الميتُ من المستشفى إلى المقبرة مغسولا مُكَفَنا ومُجَهَزا للدفن دونما أية حاجة للذهاب به إلى أي مكان آخر تفاديا للمزيد من الإحراج بما في ذلك بيته أو جامع الدوار، أُرسِلتُ في طلب المُغَسِل بمسجد دوار تكركوست القريب من المستشفى ولقِيتُ هنالك إمامَ المسجد وكان في تلك الفترة من أقرب المقربين إلى الضحية الشهيد ذلك لأن أولى خرجات العمل فقيها بالنسبة للأستاذ عبد الحميد واعراب رحمه الله تعالى كانت بمسجد دوارنا أواخر السبعينات من القرن الماضي، لذلك فقد أفجَعْتُه في صديقه صالح وفاجأته بنبأ استشهاد أخيه في مهنة الإمامة والتدريس وبَدَت لي منه علامات التأثر البليغ على مُحياه تترجمه عيناه الدامعتان.
شرع المُغَسِلُ في عمله وبدأ ينزع عن صالح رحمه الله تعالى ثياب الدنيا ليُلبِسه أثوابَ الآخرة بعد غسله وتطييبه، أنا لم تعد لي إمكانية التقرب ولم أعُدْ أملك جُرأةَ الاطلاع على جسد الشهيد تفاديا لِما تزداد به العواطفُ جِراحا، إلا أن المُغَسِلَ وهو يزاول عملية الغسل قد وقف هو ومن ساعده عند واقع الأَمْرِ الأَمَرِ وحقيقةِ المصاب الجلل، لقد اكتشفوا في رأس الشهيدِ رحمه الله تعالى شِقا يكاد يصبح في سُمك أصبع اليد ويكاد يحيط الجمجمةَ كلَها عند وسطها تُخفيه خِصلات الشعر ولا يظهر إلا للفاحص المتمعن واكتشفوا كذلك بعضَ قطرات الدماء وهي تخرج ببطء في أنف الشهيد، لقد صدق وصفُ ذلك الصديق الذي نقل إلي خبر الفاجعة في أول الأمر، كل الذي وقع أن صالحا رحمه الله تعالى قد ارتفع لخفته في الهواء فوقع رأسُه مباشرة على جسم صلب بجانب الطريق وكانت الصدمةُ عنيفة جدا فعجلت بخروج روحه الطاهرة ولم تترك له أيَ حظ للنجاة.

حملنا الشهيدَ على سيارة نقل عادية في ملكية أحد …………..

 >>>>> يتبع

بقلم :  عبد العزيز الزاهي

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية