5ديسمبر
14429614_9589247181_114397408_n

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتــي .. (ح/20)

لا عتاب ولا لوم عليك الآن أيها الشهيد ولا على غطائك، فلا فرق بين أن يُسدل عليك الآن سِتارُ مُمَزقُ أو يُسدل عليك ستارُ من الحرير والديباج، وماذا تفيد وسادة من ريش النعام لسمكة أُخرِجت من المياه؟ غير أن موقفكَ هذا يا صديقي أستاذ مُبَجَلُ يُلقِن دروسَ القسوة والاستهتار وغطاؤك الممزق في هذا الموقف الحزين إنما هو صفحة بارزة في كُراسة التاريخ السيئ الذِكرِ سأظل أقرأ بين سطورها كُلَ معاني العبث ودلالاتِ الإهمال وأستخلص منها براهينَ غياب الضمير وفقدان حِس المسئولية.
كظمتُ غيظي واقتربتُ من الجسد المُسَجَى ومددتُ يدَيَ لأكشِفَ عنه الغطاءَ، كانت لحظات عصيبة جدا وكان الموقف مهولا للغاية رغم أن الجثة لا يبدو عليها أدنى أثر للجراح والدماء والكسور، نام صالحُ في ثيابه نومته الأبدية العميقة وظل هيكله الخارجي كما هو، ثياب تكاد تبدو كلها بيضاء نقية نظيفة لولا ما يبدو على بعض جوانبها من آثار الغبار قد تكون نتيجة حتمية لانتفاضة طبيعية يمارسها المحتضِر على الأرض قبل خروج روحه، أسبلتُ على الراحل كفنه المؤقت ولم يسعني إلا أن أترحم عليه ثم أغلقتُ عليه باب قبره المؤقت على ظهر الأرض ، وليس لبيت يضيق بجسد ميت واحد ممدد على أرضيته أن يحمل اسما آخر غير القبر في انتظار الإجراءات الإدارية والقانونية التي ستفتح في وجهه باب القبر في بطن الأرض، ذلك القبر الحقيقي الرحيم بكل ميت والذي لولاه لظهرت على وجه الأرض عندنا في هذا الوطن مدن أخرى وحواضرُ وقرى خاصة بعالم الأموات، ستشهد بدورها أحياءَ سكنية راقية وأخرى هامشية، ستشهد بدورها السكنَ الاقتصاديَ والبناءَ العشوائيَ وأحياء الصفيح، ولو أنصف الناس في تسمية الأشياء بمسمياتها لأطلقوا على القبور اسمَ العَمارة وعلى ما سواها أسماء الخراب والدمار والخلاء والقبور.
أغلقتُ البابَ على الشهيد وتَنَحَيْتُ جانبا أرتقب ما يأتي من خطوات التشييع، سأغنم الظرفية الراهنة وسأسرح بخيالي عبر تاريخ الوجود الإنساني على الأرض ومجاله الفسيح جدا الممتد بين الأبعاد الأربعة الحياة والموت والزمان والمكان، ولئن كان ذلك الغطاءُ المسبلُ على الجثة قد لا يليق بكرامة الأحياء ولا الأموات فهو يصلح ليُجَسِد دورَ بساط الريح، سأطير عبره بعيدا إلى القرون الأولى، إلى فجر التاريخ حيث بدأت َتتجَسَد أولى المخلوقات الآدمية على وجه البسيطة وحيث ظهرت أولى بوادر الصراع والشر والكيد والحسد مع ابنيْ آدمَ إذ سولت لأحدِهما نفسُه قتلَ أخيه فقتله ووقف عاجزا عن إدراك حيلة ما يستر بها عورة أخيه وجريمته على حد سواء فبعث الله غُرابا يبحثُ في الأرض لِيُرِيَه كيف يواري سَوءةَ أخيه، هكذا كانت أولى الجرائم الأخلاقية في التاريخ قد ارتُكبت على يد الإنسان بينما أولى دروس الأخلاق قد لُقِنت على يد الحيوان فلا يَجْمُل بنا نحن البشر أن تأخذنا العزةُ والكبرياء بالافتخار على الحيوان، فإلى الحيوان الأعجم يرجع الفضلُ في كل هذه المقابر المنتشرة عبر مشارق الأرض ومغاربها وفي كل الأوساط الدينية والعقائدية وتزداد رُقعتها يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة، لقد اعترف ابنُ آدم حينذاك بعجزه الكامل عن إدراك فضيلة الاستحياء والعمل بالتالي من أجل أن يواري سوءة أخيه، فهل هو اليوم في مغرب التاريخ تراه يستطيع أن يعترف بعجزه عن بلوغ مراتب التضحية وبدل النفس والنفيس من أجل أخيه الإنسان حيا وميتا؟ لقد قطع ابنُ آدم أشواطا عظيمة في مختلف مجالات الحياة واستخدم عقلَه في كل ما يرتبط عنده بشهوات حواسه، لقد نفذ من أقطار السموات والأرض ونفذ إلى أعماق الأرض وإلى أعماق المحيطات، زاحم الطيور في الهواء والأسماك في البحار والوحوش الضارية في المروج والغابات.. ولكن يا ويلتنا إنا قد عجزنا عن فتح قلوبنا المقفلة لينفذ إليها ما يزاحم فيها بواعثَ الأنانية الخبيثة وحبَ الشهوات ونزعاتِ الشر والحرص والتربص والانتقام…

يتبع عند الحلقة الواحدة والعشرين.

بقلم :  عبد العزيز الزاهي

 

 

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية