4ديسمبر
copie-de-14429614_9589247181_114397408_n

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتــي .. (ح/19)

وكيف لا تصبح الأمواتُ من المهملات في موقع يمَس الإهمالُ فيه الأحياءَ والمحتضَرين قبل الأموات؟ فحيثما يَجْرُؤُ العبثُ والإهمالُ على المساس بكرامة الأحياء فهو على المساس بكرامة الأموات أَجْرَأُ.
غرفة ضيقة صارت كالفُرن تماما من شدة حرارة الفصل، وقفتُ عند بابها فلاَحَت لي على أرضيتها المبلطة بِطانية ملفوفة يوحي مظهرُها باحتوائها لشيء ما من الجمادات، إنها بلا شك تَحضَنُ الآن صالحا وتَحجُبُه عن أعين الفضلاء، قلتُ إيــــــــــه أإنَكَ لَأَنْتَ صالحُ؟ أهذا هو ذلك الوعاء الآدميُ الذي كان ينضح بما فيه من روح الدُعابة والمرح والحركة الصوتية والعضوية؟ جسد ملفوف في بطانية كأنه لجندي في ساحة الوغى ينتظر لجنة الإحصاء التي تحصي الأموات والشهداء بعدما قضى في حرب ضروس من رصاصة العدو لم تترك أي أثر على جسم المحارب، أين يا صديقي كل تلك الحيوية والنشاط؟ أين تلك الحركية المفرطة ما أسكنكَ؟ أين خفة روحك وجسدك ما أجمدك؟ أين ذلك العزم والحزم كله؟ أين تلك الروح المرحة؟ أين يا صديقي تلك القهقهة وأين ذلك الضحك أين تلك الابتسامات؟ التَفِتْ إليَ يا صديقي شيئا قليلا وتَحَدَثْ وقل لي ما الذي دهاك؟ أين ذلك الصدحُ الجميلُ منك بالقرآن وأين غُنةُ التلاوة ما أخرسك؟ أين رحل كل ذلك بالسرعة الفائقة؟ هل اختُزِل كلُ ذلك في هذا الصمت المُطبَقِ وهذا الجمود؟ هل طوى ذلك كلَه هذا الغطاءُ طَيَ السجل للكتاب؟ غطاء رمادي ممزق ومتسخ ورديءُ يشبه إلى حد ما في نسيجه وشكله ولونه ذلكَ الذي غنِمه المتطوعون العائدون من المسيرة الخضراء في رحلة التضحية أو المغامرة من أجل استرجاع طَرَفِ وطن ، كنا نسميه غطاءَ الصحراء، ربما قد بَدَلَ المسئولون للمتطوعين ذلك الغطاءَ ليَغُطوا في النوم ويحلموا بنشوة الانتصار في معركة من معارك الاستقلال وطرد الغزاة وينتشي النيامُ بأحلام التحرير المُجهَضة الموءودة بينما اليقظان منهم فقد أُعِدَتْ لهم عُلَبُ سجائر من التبغ الأسود تحمل أسماءَ المسيرة الخضراء كفيلة بتحقيق أحلام اليقظة، يجب أن يَحلُمَ الجميعُ وينْسَى بالتالي معاركَ التحرير الكبرى التي لا تدعوا إليها الحدودُ الجغرافية ولا الدروسُ التاريخية بقدر ما تدعو إليها ضرورة العيش الكريم، معركة تحرير الأرض والإنسان، معركة تحرير الإدارة والمؤسسات العمومية والخصوصية من بعض الموظفين الأنذال السَفَلَة والرِعاع ومن الأوغاد السياسيين، أحباشا كانوا أو مُجسَدين، معركة تحرير الثروات الوطنية البرية والبحرية والجوية، ما أشدها معاركَ وجهادا كبيرا في سبيل الوطن، إن مقاومةَ المحتلين الأجانب والمستعمرين للأوطان من الخارج مع مقاومة المحتلين للإدارات والمؤسسات العمومية والمستهترين فيها بحقوق العباد ممن يحملون جنسية الوطن ولا ينتسبون إلى الوطن إلا بأوراق الهوية والألقاب أشبهُ ما تكون المقارنةُ بين المقاومتين بمعالجة الجروح الطفيفة الظاهرية على الأجساد والكسور والكدمات ومعالجة الأورام السرطانية الخبيثة في الدماء وداخل الأوردة والأمراض الجرثومية المستعصية في أعماق الذات.
اجتهدتُ في محاولة البحث عن مبرر منطقي واحد لموضع القُفلِ على باب غرفة ضيقة يقضي فيها الشهيدُ الآن ما بقي له من سويعات على ظهر الأرض جثة هامدة فأعياني الجهدُ وفشِلتُ، عَلاَمَ الإقفالُ لباب بيت لا يضم إلا جثة يتوعدها الذودُ بالفناء والتحلل، لا يظهر لي داخل البيت ما من شأنه أن يستدعي وضعَ الأقفال والضحية قبل أن يُنقَل من مسرح الحادث المُرَوِعِ كان قد تعرض لعملية المسح الأمني وجُرِدَ من كل أوراقه المادية والمعنوية وأغراضه الشخصية اللهم إن كان ذلك الغطاءُ البالي الرديءُ المتآكِلُ شيئا يتعلق برعاية الأمانة ومسؤولية الحفاظ على الممتلكات من السرقة والانتشال وقد رأيتُ أغطية مثلَه بل أحسنَ منه يحملها على أكتافهم بعضُ المجانين والحمقى وأنصاف العقلاء في قرية تالوين ونواحيها ويتخلصون منها حيثما شاءوا ليعودوا إليها وقتما شاءوا، ألم يكن مِن الطبيعي ومن المنطق السليم أن تجد المقابرَ في القرى والبوادي والحواضر وفي كل مكان بلا أبواب مقفلة ولا حراسة ليلية أو نهارية؟ فالذين هم خارجها أحياء يَعَافون حتى السَمَاعَ بها فكيف يُقبِلون على الدخول إليها، والذين هم بداخلها موتى لا يستطيعون الحركةَ والقيام فكيف يفرون منها.
لا عتاب ولا لوم عليك الآن أيها الشهيد ولا على غطائك، فلا فرق…..

\\\يتبع في الحلقة العشرين

بقلم :  عبد العزيز الزاهي

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية