17نوفمبر
000000_114397408_n

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتــي .. (ح/18)

دخلتُ على دركي فوجدتُه منهمكا في شغله أمام الآلة الكاتبة التي يُسمع رقنُها من المدخل الرئيسي إلى المخفر، قلت له يا سيدي لقد أتيتُ في شأن ما وقع هذا الصباح بمنطقة… لم أكمل حديثي معه حتى بادرني بقوله: في شأن الفقيه فلان الفلاني ونطق اسمَه العائليَ والشخصي وهو ينظر في يده إلى بطاقة التعريف الوطنية التي تحمل هُويةَ الضحية ؟ قلت له أجل، قال ليَ يرحَمُه الله تعالى، فقد توفي المسكينُ في الحادثة وأنا الآن بالذات في طور تجهيز محضر الحادثة في انتظار رد النيابة العامة في شأن تسليم جثته لأهل بيته وهي الآن مستودعة بالمستشفى، ويضيف الدركيُ المُحرِرُ لقد احتفظنا عندنا بما وجدناه في محفظة جيبه من بطاقات هويته مع بعض الأوراق المالية ونحن في انتظار مَن يتسلمها من أهله، قد تكون زوجتَه وقد يكون عمَه ونحن قد علِمنا بعدم حضور أبيه في الدوار…
لك الله يا شهيد الطريق ويا لَبؤسِ والدِك، لقد حرمه القدرُ حتى النظرةَ الأخيرةَ إلى جثامين أولاده، قبل حوالي عشرين عاما وفي اليوم الذي أسلم ولده البكرُ روحَه بالمدينة ضحية حادث الشغل صادف أن تواجد بالدوار، واليوم قد أسلم ولده الثاني روحَه بالقرية ضحية حادث السير وصادف أن تواجد بنفس المدينة التي قُتِلَ فيها الأولُ، فبالرغم من أن هذا الشيخَ، والدَ الضحيةِ، قد بلغ من الكبر عِتيا إلا أن نفسَ العائلة الميسورة التي كان الشهيدُ م بلعيد رحمه الله هو وأبوه يشتغلان عندها عمالا في ورشات البناء المتعددة وقضى الابن في إحداها نَحبَه قد استدعته ليشتغل عندها بقية العمر حارسا منزليا بإحدى إقاماتها الفاخرة عِرفانا ربما بالجميل واعتبارا لروح ولده المُزهَقةِ وقد جاءته ذات عام مضى إحدى مظاهرِ ذلك التكريم والعرفان على شكل رحلة حج إلى الديار المقدسة بُدِلَت له فيها مصاريفُ السفر لقضاء مناسك العمرة والحج.
الآن وقد تبث عندي بما لا يقبل الوساوسَ الشيطانية خبرُ المغادرة النهائيةِ لصالح وانتقاله المؤكَدِ إلى الدار الآخرة فلم يعد لي حاجة بتصريح الطبيب وشهادة الوفاة، تلك الشهادة العقيمة التي يُوَقعها الطبيبُ ويكشف فيها عن عجزه الكامل في مواجهة الموت قبل أن يُعلِن فيها عن وفاة المريض أو المفحوص، وماذا ينفع أن يوقظك أحد من نومك في عز النهار ليبوح لك بأن الشمسَ مشرقة أو ينبهُك بعد العَشاء على أن الليل قد جَنَ وأن الشمس قد أَفَلَتْ؟
إلا أنني مع ذلك لا أجد بُدا من أن أرحلَ إلى المستشفى لعَلِيَ أستطيع مقاومةَ الوهن وقلةِ الشجاعة في نفسي وأُلقِيَ بالتالي آخرَ نظرة على جثمان الشهيد، إنني رِعْدِيدُ وجبانُ إلى حد ما، لستُ ممن تتشجع قلوبُهم وتتصلب أعصابُهم في مواجهة الأجساد التي فارقتها أرواحُها حتى ولو في مواقف الموت الطبيعي البطيء على الأَسِرة، فكيف بي وأنا أمام موقف من مواقف الموت المباغت على الطريق، إن مواقفَ النفوس الشريرةِ في الأجساد الحية أَفضلُ لي وأرحمُ بي من مواقف النفوس الميِتَة ولكنني سأحاول، على الأقل في هذه المرة، سأحاول أن أقتَحِم على نفسي قِلاعَ الخوف المنيعة المحصنة التي تعتكف بداخلها.
رغم شدة الانحدار التي تطبع الطريقَ في قرية تالوين بين مقر الدرك الملكي ومقر المستشفى المركزي إلا أنني أشعر وأنا أهبطه بأنفاس الصعود ضيِقَ الصدرِ كأنما أصَعَدُ في السماء، في قاعة الاستقبال وجدتُ الطبيبَ (الماجور) جالسا على كرسي أمام مكتبه، سألته عن غرضي المنشود فدَلَني على غرفة في ركن بالقرب من الباب الرئيسي الخارجي ثم قام متوجها إليها بنفسه ليفتح بابَها المُقْفَلَ، غرفة صغيرة جدا بحجم خشبة الغسل، ربما قد اتُخذت مُستودعا للمهملات التي أصبح الضحيةُ الآن جُزءا منها، وكيف لا تصبح الأمواتُ من المهملات في موقع يمَس الإهمالُ فيه الأحياءَ والمحتضَرين قبل الأموات؟ فحيثما يجرؤ العبثُ والإهمالُ على المساس بكرامة الأحياء فهو على المساس بكرامة الأموات أجرأُ.
غرفة ضيقة صارت كالفُرن تماما من شدة حرارة الفصل، وقفتُ على بابها فلاَحَت لي …

 

\\\\ يتبع في الحلقة التاسعة عشر \\\\

بقلم :  عبد العزيز الزاهي

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية