15نوفمبر
14429614_958994154247181_114397408_n

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتــي.. (ح/17 )

ولكن سيارةَ إسعاف مجنونة أتت من الاتجاه المعاكس منطلقة كرصاصة طائشة تسير بسرعة جنونية مفرطة، قدِمت من الجماعة القروية أسايس على متنها امرأة حاملُ تواجه مخاضا عسيرا، لمَسَتْ صالحا لَمْسا خفيفا بجانبها الأيمن وهو على وشك أن يقطع كلَ الطريق ولكن السرعة المفرطة لسيارة الإسعاف ربما قد التقت مع خفة صالح فحملته جسدا طائرا في الهواء فألقَتْ به بعيدا ليقع رأسُه مباشرة فوق حجر كبير على قارعة الطريق، أسلم صالحُ روحَه في الحال إلى بارئها ولم تغادر الحافلة في اتجاهها لتُكمل مسيرتها حتى حضر كلُ مَن عليها مشهد الفاجعة المؤلمة، نزل كل الراكبين ليشهدوا ميتةَ واحد ممن كان بينهم قبل قليل راكبا دنيويا، انتقل إلى الدار الآخرة في أشد وأسرع ما تكون حالاتُ الانتقال بين عالم الأحياء وعالم الأموات، وشهِد الموقفَ الحَرِجَ معهم جمع غفيرُ من الناس بينهم موظفو الجماعة والزوارُ والعابرون.
تواجدتُ يومَ الفاجعة بإحدى مقاهي المركز الحضري في قرية تالوين ولقد جاءني بعد إذ أُنزٍلَتِ المصيبةُ مباشرة أحدُ أصدقائي من سائقي سيارات الأجرة صادف لحظةَ وقوع الحادثة أن تواجد بعين المكان حيث حطت مصيبةُ الموت، رآها رأيَ العين فجاءني ليفاجئني ويفجعني في قريبي وصديقي وابنِ بلدتي، جلس بالقرب مني وأخذ يقص علي تفاصيل النبأ المفجعِ، يقصها وما بقي من عقلي وشعوري يتأرجح بين تركيز ضعيف وذهول عظيم، أُنصِتُ إليه حابسَ النَفَسِ مُرهِفَ السمع وهو يتحدث إلي بلسان مذهول حضر المعركة المجردةَ من السلاح وحضر موقفَ الميتة المفاجئة في أمد ثوانيها المعدودات، قال لي الصديقُ: نَعَم لقد مات المسكينُ وقد حضرَت قواتُ الدرك إلى عين المكان وسُطِرت الإجراءات الأمنية والتأمينية ثم نُقِل الجثمانُ إلى المستشفى…
قُمتُ عن المقعد في الحال واقفا لأواجه ما يدور في نفسي من الأوهام والوساوس، إن قلبي لا يُصَدِق ما نزل اليوم بساحة صالحِ وتعافُ نفسي التسليمَ بالأمر الواقع، لا، لا ،لا يمكن هذا أبدا، كيف يغادر الحياةَ الدنيا بهذه السرعة الأقربِ إلى طرفةِ العين؟ كيف يَسْلَمُ روحَه بهذه السهولة بين إشراقة شمس وضحاها؟ هل غادر الصديقُ هذه الدنيا في لمْح البصر وهو قد جلس أمامي ههنا بالذات في نفس هذا المكان قبل أربعة أيام فقط لَما جاءني مُسَلِما في البداية ومودِعا في النهاية بعدما قضى بعضَ أغراضه الإدارية موازاة مع تسوقه وقد حادثني وحادثته وتناقشنا وضحكنا؟ قد يكون في كلام الصديق السائق ناقلِ الخبرِ شيء من الغموض والإبهام أو المبالغة غير المتعمدة، ربما قد يكون الضحيةُ قد أُصيب بجروح بليغة استدعت نقله إلى المستعجلات أو يكون قد دخل في غيبوبة ستطول أو تقصر حسب الإصابة، على كل حال فالقبول بالأمر الواقع يجد في دواخلي ممانعة شديدة وعنادا كبيرا وأجد في نفسي إصرارا كبيرا على بقاء صالح في هذه الدنيا ولو بين الحياة والموت، إنني أرفض تصديقَ خبرِ الفاجعة ويَعَزُ علي القَبولُ بهذا الانتقال السريع إلى الدار الآخرة والرحيل المفاجئ الغريب لنفس تعيش كبقية الأنفس في ظل أجواء قرية صغيرة وديعة آمنة مطمئنة، كل نواحيها تنام وتستيقظ هادئة ولا تعرف محاورُها الطرقية أوجاعَ الحوادث بهذا الحجم المهول أو بالأحرى فإنني أخشى تصديقَ الخبر، لذلك أحاول جُهدَ الإمكان أن أستقوي في مطاردة كل فكرة تزاحم الرفضَ في مخيلتي وتجبرني على التسليم بالأمر الواقع، سوف أدفع عني هواجسَ الفاجعة بكل ما يمكنني من التصورات والاحتمالات الوهمية ولو لفترة محدودة وجيزة.
ومهما يكن من أمر فالهواجسُ كلُها ستتبدد وستتحطم الأوهامُ ويُحسَم الموقفُ بظهور الحقيقة جلية واضحة ولا ألتمسها إلا عند أحد المصدرين الرئيسيين، تقرير الدرك الملكي وشهادة الطبيب بالمستشفى المركزي، سأمضي لتقصي الخبر اليقينَ من مصادره التي لا تقبل الجدل ولا تقبل الإزاحةَ ولا تحتمل أيَ تأويل، سأُعَرِج أولا على مقر الدرك الملكي وهو على الطريق إلى المستشفى، ليس بيني وبين الواقع المر أو الحلو إلا خطوات قليلة سِرتُ أقطعها الآن في اتجاه الحقيقة المفروضة، أمشي بصدر يعلو وينخفض من أثر الأنفاس المضطربة وأحمل على كتِفَيَ رأسا كله مخاوفُ ووساوسُ مذبذبة بين واقع سيفرض نفسه ومقاومة ضعيفة لرفضه، دخلتُ على دركي فوجدتُه منهمكا في شغله أمام الآلة الكاتبة التي يُسمع رقنُها من المدخل الرئيسي إلى المخفر، قلت له لقد أتيت ……

>>>>>>> يتبع

بقلم / عبد العزيز الزاهي

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية