5نوفمبر
14429614_9589247181_114397408_n

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتــي .. (ح/15)

وأما شقيقه صالحُ فقد لبث في مدارس سوس العتيقة بِضعَ سنين بعد وفاة أمه، هنالك كان يسعى في تحصيل علوم القرآن واستكمالها حتى بدا له من بعد ما بلغ أشده لَيَفتحَن لنفسه عهدا جديدا في الحياة،عهد سيقتحم فيه ميادين الشغل والعمل والسعي لجمع ما يستعين به من الماديات على تأسيس بيت الزوجية وتكوين أسرته الصغيرة، سَيَشغل منزلَ أخيه الراحلِ و قد أصبح شاغرا بعدما غادرته أرملته وابنتها وليس لصالح من فرص الشغل المتاحة أمامه إلا ما يدور في فلك القرآن ويرتبط بتدريس كتاب الله وتحفيظه وتلقينه، لذلك فقد عقد العزمَ على أن يمضي قدما في طريقه الذي اختاره وسلكه في الحياة، بالأمس يمشي عليه طالبا متعلما واليوم فقيها مُعلِما.
طاف الفقيهُ صالحُ عِدةَ مواضع في القبيلة ونواحيها يشتغل فيها قَيِما على الشأن الديني وإماما وخطيبَ جمعة داخل مساجدها، يؤذن للصلاة ويؤم المصلين ويُحفِظ القرآن الكريم للأطفال الصغار،وكان أمد غيابه عن الدوار مرتبطا بموضع عمله حيث يمارس وظيفته، فكلما كان مقرُ اشتغالِه بعيدا كلما كان أمد الغياب طويلا، أحيانا يسمح له القرب بزيارة البيت أوقات العطل الأسبوعية كل يومي خميس وجمعة،
يحظى صالحُ لدى كل الناس بالمودة والاحترام الكبير سواء في حياة أمه أو بعد وفاتها كما يُرثي الجميع لحاله وهو يتيم، ومرد ذلك أنه من جهة قد ذاق مرارة اليتم مع زوجة أبيه ومن جهة أخرى فهو قد ورِث عن أمه خصالَ الحياء والاحترام وعفةِ اليدِ واللسان وحب الخير…
ولكن، يا سبحان الله، لقد ورث صالحُ من أمه كلَ شيء إلا خِصلة واحدة لا يبدو أنه قد ورث منها شيئا مذكورا، خصلة التأني وميزة المشية الثقيلة والسير البطيء، لم ينتقل فيهما إلى صالح من أمه مثقالُ حبة من خردل ، يمشي صالح على الأرض مِشية هي والتي كانت تمشيها أمُه على طرفي نقيض، كأنما كل ما خلقه الله في دماء تلك الأم من الخفة والحيوية قد اختزنته وحفظته لينتقل في الأخير بالوراثة أو الرضاعة إلى ولدها، يمشي صالحُ دوما مشية هي إلى الهرولة أقرب من السير، يضرب على الأرض بقدميه ويخطو على الطريق خطوات مسرعة مهتزة كما لو كان يمشي على الجمرات، تُظهره بنيتُه الجسمانيةُ القويةُ المتماسكةُ إنسانا ذا قوة وعزم وحزم، قصير القامة ممتلئ الجسم، كله نشاط وحركية، ولا تبرحه الحيوية في كل الأحوال والمواقف، من بعيد تميزه القامة المنتصبة والمشية المسرعة وحركة اليدين والكتفين والرأس، في البطحاء بجانب إحدى ضواحي الدوار حيث تجتمع الأغنام في الصباح استعدادا لانطلاقتها الجماعية يبدو صالحُ وهو يطوف بالقطيع ويُلَوِحُ بكلتا يديه يهش بهما على الخرفان والنعاج، يجري مسرعا ليرد الشاردةَ ويستنفر المتثاقلة، يظل كذلك لا يهدأ له بال حتى يجتمع قطيع الدوار بأكمله ويلتحق به الراعي فيسوقه نحو المسرح الغابوي، وأكثر مظاهر خفته وحيويته تظهر جليا وبوضوح عند لعبة كرة القدم التي كان يهواها ويمارسها مع الفتيان والشباب والكهول أيام الراحة والعطل، في الساحة يظهر صالحُ وقد جمع أطرافَ قميصه المربوطة إلى معصمه وطاقيته فوق رأسه لا تبرحه، يتفاعل مع الكرة بكل جوارحه، لا موقع هجوم له ولا موقع دفاع ولا مكان محدد على رقعة الملعب، فحيثما تتدحرج الكرة فثمة صالح بجانبها يركض ويرتفع وينخفض، يهاجم ويدافع ويحرس المرمى، حتى وهو في حضرة مجالس القرآن داخل المسجد وخارجه لا يخلع عنه رداءَ الخفة والنشاط المستمر ولا يكف عن الذوبان في أحواض الحركية المفرطة، يقرأ الحزبَ مع الجماعة وجسمه لا يستقر على الأرض في وضع الجلوس، مرة يتمايل برأسه يمينا وشمالا أو أماما وخلفا ومرة يتحرك بكل جسمه في كل الاتجاهات خاصة عندما يرتفع إيقاعُ القراءة الجماعية للحزب الرتيب وتزداد حدتُه.
وعلى سنة الله ورسوله سيفتح صالحُ أبوابَ القفص الزوجي ليدخله…….

  >>>> يتبع

بقلم : عبد العزيز الزاهي

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية