3نوفمبر
14429614_9589247181_114397408_n

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتي .. (ح/13)

لقد كانت حياتي أقوى من شفرة ذلك الحلاق بدليل أنني ما زلتُ اليوم بفضل الله حيا أُرزق، واستطعتُ الانتصارَ في واحدة من معارك زمن الأخطاء التي تُخاضُ تحت ألوية المغامرات والتهور، انتصرتُ فيها وأنا صبي ضعيفُ القوة وقليل الحيلة لا أملك غيرَ البكاءِ والصراخ والدموع.
والحق أن هذا الحلاقَ الجراحَ بطلُ شجاع، أشجع من ربيعة بن مكدم الكناني، لقد مارس عملَه الجِراحي بلا أية مقدمات، لا فحوصات ولا كشف طبي ولا تحاليل دموية كتلك التي يُطالَبُ بها المريض وأهله في المستشفيات الخصوصية والعمومية وتستنزف المال والدماء قبل الأوان، لا أدوات معقمة ولا عمليات تخدير ولا أمصال مضادة ولا عقاقير ، لا مشرط ولا سرير، لا متخصص جراحة ولا مساعد طبيب، لا فني جراحة ولا فني أشعة، لا ممرض أو ممرضة ولا هم يحزنون، كل الذي كان من ذلك وحضر ليس إلا جدي وضيفه الجَرَاح وشفرة حلاقة، جدي رحمه الله كان هو المساعد وكان هو المُخدِر بحلاوة لسانه وبلطف كلماته وخفة يديه، ذلك قول أهلي بأفواههم عند كل حديث يحكون لي فيه عن الموقف الحرِج وما مسني خلاله من شر أو خير لما بلغتُ رشدي وكلما حاولوا أن يختبروا ذاكرتي فيه.
ومع كل الذي حصل فلم أستطع أن أرتبط بذلك الموقف الجراحي المهول، أو على أصح تعبير بما يشبه المخاضَ في موقف ميلاد جديد، إلا بخيوط ضعيفة جدا من نسيج ذاكرتي، ولا أستذكر من مرض جدي الطفيفِ ومغادرته للبيت حيا يمشي على الأرض وعودته على العجلات ميتا بلا حركة ولا روح إلا ما يشبه أطيافَ الخيال، كان خروجُه لتلقي بعضِ الإسعافات بمستوصف تالوين آخِرَ خروج له من البيت في الحياة، وقفَتْ سيارةُ الإسعاف غيرَ بعيد عن جامع الدوار وجيء بالحطب ووُضِعت المياهُ في إناء التسخين وأُعلِن بالأذان عن الجنازة وارتفع معه إلى السماء البكاءُ والنحيبُ والعويلُ ،يحضُرُني قليل من مراسيم تلك الجنازةِ ولكن ليست بالشكل والحدة التي تحضرني بها اليومَ جنازةُ السيدة (ألا كلثوم) التي واكبتُ عن قرب مراسيمَ دفنها وتشييعها وأنا أشرف حينها على استكمال أولِ عقود العمر.
تنام الآن السيدةُ نومتَها الأبديةَ العميقةَ وستصبح نِسيا منسيا تماما كشأن أهل القبور في كل زمان ومكان، انتهت فترة الحداد على فقدانها وتزوج الأب من امرأة أخرى أتى بها لتصبح له شريكة حياة جديدة وفي الوقت ذاته أُما ثانية لولديه (م بلعيد) و (سي صالح)، ولكن المقاديرَ تظل هي المقاديرُ في بعض الأحوال الشخصية وتُشكِل المعاملةُ الطيبةُ فيها استثناء بينما الفجور والغِلظة والجفاء وسوء المعاملة فهي تشكل فيها القاعدةَ الأخلاقيةَ العامةَ، لذلك لن أسمح لسياق الكلام أن يجنحَ بي ههنا للحديث عن سلوك اجتماعي مَرَضي معتاد وأستنكف عن الخوضِ في ما نال الولدين من زوجة أبيهما مما قد أصبح من بديهيات المعاملة بالسوء لليتامى في بيوت المجتمعات القروية والمدنية على حد سواء.
أما الشاب (م بلعيد) فقد لبت بضعةَ شهور بعد زواج أبيه واعتزم الخروج من حياة العزوبة والدخول بدوره في الحياة الزوجية بعدما استطاع أن يبني بيتا صغيرا مستقلا عن بيت أبيه، استقر اختياره لشريكة حياته عند بيت إحدى عماته التي تسكن بعيدا في إحدى دواوير القبيلة، تزوج من بنتها وأنجب منها ابنة ستظل تحمل أبدَ الدهر اسمَ جدتها لأبيها وصارت له بذلك أسرة صغيرة يحبها، قِوامُها البنتُ والوالدان.
لم يستطع القفصُ الزوجيُ أن يسجُن الشابَ بلعيد ويأسره في البلدة، لم يحبسه عن مدينة الدار البيضاء التي يرحل إليها بين الفينة والأخرى ليمارس فيها أشغال البناء سعيا وراء لقمة العيش لأسرته الصغيرة الجديدة المستقلة، وكذلك فالزواج لم يغير شيئا من سلوكه الاجتماعي المألوف، يزور البلدة وأسرته في دورات الأعياد ويحمل إليها الهدايا والحلويات وبقي على عهد المساعدة الاجتماعية لكافة الناس على قدر ما يتاح له من الجهد المادي والمعنوي.
وذات يوم من أيام الله في سنة 1982م وبينما الناس في الدوار منهمكة في طقوس الاستقبال لعيد المولد النبوي القريب إذا بنبأ عظيم يصل البلدة ليعكر صفو أجوائها ويُخمد أنفاسها ويُنعي ذلك الشابَ الذي يطرق أبواب الكهولة والذي صار منذ أشهر معدودات زوجا فأبا، وصل الخبر …

……………. يتبع

بقلم : عبد العزيز الزاهي

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية