23أكتوبر
14429614_958994154247181_114397408_n

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتي .. (ح/11)

عند مدخل مدينة أولاد برحيل على وجه التحديد ستصعد روحُ جدي إلى بارئها ذات نهاية فصل صيف حار لتعود به السيارةُ في الحال إلى الدوار، ويحكي لنا الوالد عن والده كيف عاشا سويا تلك اللحظات العصيبة على مثن سيارة الإسعاف، وَضع رأسَ جدي المُجرَدَ من أي خصلة شعر في حِجرِه وأخذ يمسح عليه بيديه كما يمسح العاجزون عن الوضوء على أحجار التيمم ذات الحجم الكبير المنتشرة في مقاصير الصلاة بجوامع القرى والبوادي، يقول أبي إن ما لا يود أن يبرح ذاكرتَه على الإطلاق مشهدُ العرق الكثيرِ المتصببِ على يديه ولباسه من رأس الجد وأطراف جسده وكان عرقا شديدَ البرودة رغم حرارة الزمان والمكان. والأدهى عند أمي في محاولتها لترجع بي إلى موقف وفاة جدي وجنازته رحمهم الله تعالى أن جديَ هذا بعد عودته من رحلة الحج وقبل وفاته بأشهر قليلة كان قد حملني بين يديه وهو يداعبني ويلاعبني ليُسَهِل المأموريةَ أمام حلاق بسيط يقص شعرَ زبائنه في السوق الأسبوعي اثنين تالوين، يستغفلني جدي بكلمات لطيفة من لسانه وحركات خفيفة من يديه، يخلق أمامي ألاعيبَ شفوية وتطبيقية وقصْدُه أن يُمَهِد الطريقَ أمام طبيب فريد من نوعه استدعياه هو وأبي رحمهم الله إلى منزلنا ليحُل عقدة من لساني بشفرة الحلاقة، عقدة لسان ازددتُ معها وكانت تربط لساني وتحبسه أن ينطلق. 

 تقول أمي إنه قد سالت مني دماء كثيرة كدماء أضحية العيد وقد غصَ بها المغسَلُ (البانيو) الذي وُضِعتُ فيه بين يدي حلاق الأطباء وطبيب الحلاقين كصبي نصراني صغير في طور عملية التعميد أمام راهب الكنيسة وقسيس من قساوسة النصارى، وتضيف الأمُ أنها قد كاد، من هول الموقف، أن يَمسَها الجنونُ، هذا الحلاقُ لم يكن يقتصر عملُه ولم تنحصر وظيفتُه في قص ما زاد عن الحد من الشَعَر على رؤوس الزبائن وذقونهم، بل كانت له أيضا في سكاكينه المشحوذة وشفراته وأدواته الحادة مآربُ أخرى، كان مشهورا بين الناس قديما في السوق الأسبوعي لتالوين بعمليات الختان و(الطهارة)، ربما قد أخذ في تصميم بيت أرزاقه بتجربة الفئران والجرذان التي لا تدخل إلى جحورها من باب واحد ولكن من أبواب متفرقة، كثُر ما تَنَقَلَ هذا الرجلُ بين الديار والبيوت في مواضع القرية ونواحيها ليختن الصِبْيةَ والرُضَع والأطفال، يَحلِقُ رؤوسهم ويقطع قُلُفاتهم (جمع قُلفة)، بينما أنا اليوم فقد جاءني ذلك الحلاق ليُجريَ لي أولَ وأخطرَ عملية جراحية في حياتي ولعلها كذلك الأولى والأخطر في حياته، عملية جمعَتْ في الوقت ذاته بين البساطة والتعقيد وجرت بحضور الجد نائبا عن الأب الذي لم يكن يستطيع الحضورَ ولا النظرَ إليَ داخل قاعة العمليات (البلوك) المكشوفة كلية على الهواء الطلق (أسراك).

أُقَدِرُ في جدي رحمه الله تعالى حُبَه لي وحنانه علي رغم رباطة جأشه وهو يمسكني بيديه أمام ذلك الإنسان الذي يتأهب ليذبحني تلك الذبحة الشاذة غير المباشرة، أتصورني وقتئذ كما لو أنني عصفور شقي سيئُ الحظ أوقعه القدر بين أنامل الصبيان المشاغبين، هو يموت من فرط الضغط والأذى وهم يلعبون ويضحكون لاهية قلوبهم. لقد كان جدي رحمه الله يصطفيني من بين أفراد الأسرة العديدين، ووالدايَ لا يفتئان يذكران لي ذلك في كل مرة ويحكيان عن مواقفه معي تلك التي تتجسد فيها رعايته واهتمامه بي، كان قيد حياته يهوى الفلاحة والزراعة كثيرا، يحب ألوانهما ويزاول نشاطهما لا يمل ولا يكل، يقضي معظم أوقات النهار بين حقوله العديدة مشتغلا بالحرث والسقي والزرع ويشكل الحالة الاستثنائية بين الناس في بلدتي والبلدات المجاورة إذ هو الوحيد الذي يملك حقولا فلاحية وحِصصَ مياه السقي (الحبات) في كل المنابع وفي كل المجمعات الزراعية المحيطة بها IGRAN وهي متعددة، إن الحقولَ بالنسبة له مَلاذُ قُدُسي كالأديرة بالنسبة للرهبان، يؤذن للفجر كل صباح ويصلي ثم يغادر إليها وقلما يُعرَفُ له وجودُ داخل البيت بين الفجر والضحى، يقولون إن أهلَ القرى والبوادي يستيقظون باكرا على إيقاع نغمات الطيور وصُياح الديكة وتغريد العصافير التي تطير في الهواء وتحط على الأسطح والشرفات وشباك النوافذ، أجَلْ، ولكنَ جدي خلال بعض رحلاته المستعجلة المبكرة إلى الحقول هو من يوقظ العصافيرَ في أعشاشها وعلى الغصون والأفنان ضربا بالمنجل والفأس والمجرفة (العتلة) والمحراث على الأرض والأحجار وجذوع الأشجار ….

 

 >>>>> يتبع

بقلم : عبد العزيز الزاهي

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية