16أكتوبر
14429614_958994154247181_114397408_n

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتـي .. (ح/10)

ظلت المسكينةُ (ألا كلثوم) طوال فترة عيشها كريمة طاهرة عفيفة مصونة متعبدة زاهدة قنوعة راضية حتى داهمها المرضُ ذات وقت مع بداية سنوات الثمانينات، أخذها معه أحدُ أقربائها الموسرين إلى مدينة الدار البيضاء، على خوف منها وممانعة، لتتلقى العلاج ولتجري بعضَ الفحوصات والتحليلات الطبية، اكتُشِف خلالها أن المسكينةَ قد أُصيبت بورم خبيث، أصابها اللعينُ على مستوى عنقها، لم تلبث إلا يسيرا بالمدينة فعادت إلى الدوار مع بعلها وابنها (م بلعيد) لتبقى طريحةَ الفراش مدة لم تزد عن الشهر أصبح خلالها بيتُها مزارا لكل الناس، كان يَعودُها القريبُ والبعيدُ والمقيمُ والغريبُ، وكنا بدورنا نحن الصغار نرحل إلى بيت (ألا كلثوم) لزيارتها وتقبيلها، نرحل بإحساس غريب غير ذلك الإحساس الذي كنا نزورها بها للتزود من الثمار والحلويات والهدايا، ندخل الدار ونجد المريضةَ ممددة على الأرض في غرفة قرب الباب الخارجي وقد ثَقُلَ لسانُها ولا تستطيع النطقَ والكلام، أحيط كلُ عنقِها بضمادات طبية بيضاء سميكة، أصبحت الأجواءُ من حول البيت كلُها حزنا وقلقا واضطرابا وصار الصغيرُ والكبيرُ يتحدث عن المرض والصحة والعافية والمصيبة والموت، لأول مرة في حياتي سأسمع في الدوار عن مرض (الحي)، بهذه التسمية كان الناسُ ينعتون السرطانَ الخبيثَ الذي أصاب عُنقَ السيدة ويتحدثون عن علته وخطورته وفقدانِ الأمل في علاجه، كانوا يُسمِعوننا كلمة ( إنهم يستقبلونها) في إشارة إلى جعل وجه السيدة في اتجاه قبلة المسلمين وفي إشارة إلى حالة الاحتضار وقطع الأشواط الأخيرة في الحياة وتردد آخر الأنفاس، ثُم دنا الأجلُ وجاءت سكرةُ الموت بالحق وأُجيبتْ دعوةُ السيدة على مضمار السباق في الحياة مع ولديها نحو لقاء الله فأسْلَمَت الروحَ إلى بارئِها وسادت بين الناس أجواءُ من الندامة والأسف على فقدان امرأة قلَ نظيرُها بين نسوة الدوار، حُمِل على النعش جثمان طاهرُ في رحلة العودة إلى التراب، إلى الأرض التي كان يتزود منها لقمة لقمة بينما تلك الأرض فهي الآن قد فتحت فمها على شكل قبر بحجم الجثة لتبتلعها لقمة واحدة ، لقد حُمِلَ جانب من الحياء والكرم والحِلم والصبر والعفة ليُقبر، تبع الجنازةَ جمع غفير من الرجال والصبيان ليشيعوا امرأة طاهرة ارتبطت بها الأذهانُ كثيرا، الكل يبكي الراحلةَ ويواسي بعضُهم بعضا، حتى النساء والبنات خرجن من البيوت كلُهن ليشيعنها بأبصارهن وهُن يراقبن الموكب الجنائزيَ من مرتفع عند مدخل الدوار.
بالنسبة لي تُعتبر فترةُ هذه الجنازة بالذات أولى مراحل عمري التي سأبدأ خلالها باستيعاب بعضِ مبادئِ الحياة والموت والروح والبرزخ والفناء والدنيا والآخرة والبعث والنشور والعقاب والتواب والجنة والنار ذلك لأنني صرت عندها طفلا ذا عقل صغير ينمو ويتفتح ووعي ينضج شيئا فشيئا ويحاول ما أمكنه أن يستوعبَ ما يجري حوله ويدور من شؤون الحياة ولو من باب فضول الكلام والسؤال، وصرتُ أسمع بعضَ أحاديث الأم والأهل عن الفناء والموت والرحيل الأبدي إلى الدار الآخرة وأسمع عن الطقوس الدينية لما قبل افتراقِ الروح والجسد وما بعد الفراق وخلال فترة الاحتضار بينهما من استقبال القبلة وتلقين الشهادة وتغسيل وتكفين وحفر القبور وقراءة القرآن وحضور الملائكة أو الشياطين وغير ذلك…
كل ذلك سيصبح في حياتي من البوادر الأولية الحقيقية لبداية تشكل نواةُ الارتباط الروحي والعقلي لديَ بالعالم الغيبي وبكل ما يربط العالمين الدنيوي والأخروي رغم أن موقفا مثله قد سبقه بثلاث سنوات وعِشتُه بطيف خيال ضعيف يَتَقَوَى كلما حاولَتْ والدتي رحمها الله تعالى أن تَستحضر لي في كل مرة وفاةَ جدي لأبي سنة 1977م وتحكي لي كيف خرجتُ أتبعها طفلا صغيرا عند موقف سيارة الإسعاف التي حملته ورجعَتْ به إلى الدوار جثة هامدة بعدما فاضت روحُه بين يدي والدي رحمهم الله تعالى أجمعين، انطلقت سيارة الإسعاف بجدي مسرعة في طريقها من قرية تالوين إلى مستشفى الحسن الثاني بأكادير أين كان قد أُجريت له عملية جراحية في شهر ميلادي سنة 1972م وتكللت بالنجاح، ولم يكن القصدُ من وراء تلك السرعة الجنونية التي تشق بها مركبةُ الإسعاف طريقَها وسط أراضي سوس الشاسعة أن تصل بالمريض إلى المستشفى في أقرب الآجال كما أريدَ لها بل لتصل بمحتضِر إلى حيث تقرر أن تفيض فيه روحُه وتخرج عند منتصف الطريق، عند مدخل مدينة أولاد برحيل على وجه التحديد ستصعد روحُ جدي إلى بارئها لتعود به السيارة في الحال إلى الدوار، ويحكي لنا الوالد عن والده كيف …..

>>>- يـــتــــبـــع – >>>>>>

بقلم : عبدالعزيز الزاهي الحداوي السكتاني

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية