20سبتمبر
14408369_958994154247181_114397408_o

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتي .. ( ح / 9 )

تنزل عليَ أمي يرحمها الله تعالى بنعلِها أو بما يشبهه في كل أنحاء جسدي، وتقلبني بطنا لظهر وظهرا لبطن، يبدو أنني الآن ثوب متسخ أمامها يجب العمل على تصبينه وتنظيفه من الأوساخ الأخلاقية العالقة به، ولأن الموقفَ قد وضعني في أمر حَرِج فإنني لم أكن أخجل حينئذ من سرد أعذار وتبريرات واهية كلما بدا لي متنفسا من الوقت وكلما استطعْتُ أن آخُذَ نفَسا من خلال مباراة ملاكمة عنيفة تُمارَس على حلبة مظلمة في وضع الجلوس لا خصم فيها ولا حكم، تبريرات دفاعية كلها تناقضات، في البداية حاولت أن أنكر التُهمةَ جملة وتفصيلا ثم حاولتُ بعد ذلك إلصاقَها بابن جيراننا الذي يشاركني وأشاركه الأعمالَ الصبيانيةَ الطائشة، ثم في ما يشبه اعترافا ضمنيا مني بالجريمة في حق أُمِ هريرة عاهدْتُ أمي أن لا أكرر فِعلَتي معها أبدا وأن أفارق سبيلها، ثم في الأخير لما تبَيَنَ لي أنه لن أفلح في صرف الضربات الموجعة عني وأن ذلك كلَه لم يشفع لي عند أمي ولا عند خالتي (أرملة جدي) وإحدى أخواتي الكبار اللواتي يتحسسن الوضعَ في الظلام ويحاولن بألسنتهن دون أيديهن أن يُنقِدنني مما أنا فيه من أهوال التهذيب رفعْتُ حالا شعارَ التهديد والتحدي في وجه الجميع وأقسمتُ لهن قائلا: تالله إنني لأقْبِضَنَ غدا على تلك الهرة السوداء التي تسومني الآن سوء العذاب و لأذبحنها ولأمزقنها إرَبا إرَبا، وقالت لي أمي بنفس لهجة التهديد والوعيد: تالله لتجدن مني ثانية غلظة القلب ولينالك مني أشدُ العِقاب وستَلقى مصيرَك هذه المرةَ مُعلَقا في رجليك بين السماء والأرض.
يبدو أن السيدةَ (ألا كلثوم) قد أتت والدتي يومها لتشكوني إليها بلسان حال استنفر في دواخل الأم كل خلايا الانفعال والتذمر، استمر العقابُ المهينُ بين القول والفعل وتواصل عليَ الضربُ من كلتا يديها، تضرب بيمينِها وشِمالِها،لا تكُفُ اليدُ اليمنى عن الضرب إلا لتقرص اليدُ اليسرى ولا يتوقف القَرصُ إلا ليفسح المجال للصفع وهكذا دواليك، تلاحقت علي ضرباتُها وصفعاتُها حتى تزامن أن خارت قواها مع تدخل إحدى أخواتي الكبار وخالتي لينتشلنني من بين يديها وأمرتني الأمُ في الحال أن أذهب إلى مرقدي لأنام بلا عَشاء إذ لم تَعُدْ لي، في زعمها، حاجة بالأكل ولا بالشراب بعد كل هذا الكم الهائل الذي تناولته من وجبة العصا الدسمة.
في الغد المباشر ستَنقُلُ إليَ جارتُنا الفتاةُ القريبةُ خبرَ الواقعة وما قبلها بقليل في سخرية مريرة واستهزاء بليغ، تربصَت بي قرب باب بيتها لتشمت بي وعرفتُ شماتَتَها في لحن قولها، قالت لي كيف مَرَت أجواءُ الاحتفال والوليمةِ؟ ولماذا لم تعرض علي ولا على أحد إليها وقد كنتُ أحسُبكَ وأُعِدُكَ من أعز الأصدقاء والأقارب؟ قلت لها وكيف أصنع وقد جاء موعدُها على حين غفلة وبلا سابق إعلام، لقد كانت بالفعل حفلة رائعة ولم يكن ينقصها غير الرقص ويا ليثكِ يا ابنة (…) حضرتِ لترقصين على إيقاع الضرب الموزون فوق هذا الطبل وأشرتُ لها إلى كل أنحاء جسدي المنهك، وَصَفَت لي تلك الفتاةُ حالَ (ألا كلثوم) وهي تجلس بالقرب من باب دارنا وتُخاطب أمي في شأن ما لحق بهرتها مني، تفيض عيناها من الدمع حَزَنا على مُصابها، تبكي وتضرب بكفيها على فخديها وتهوي برأسها من الأعلى إلى أسفل قدميها وتفحص هرتها مُبدية أثرَ ما لحقها بالحجارة من الأذى ثم ولَتْ تجر خُطاها على الأرض، أدركتُ إذ ذاك كيف جاء عقابُ الأم شديدا على قدر ما كان في الشكوى من الرثاء والبكاء، وأرادت جارتي عندما نهرتُها بشدة أن تهددني بفتح باب الشكوى ضدي لدى والدتي على نهج وأسلوب أُمِ هريرةَ ولكن هيهات أن يكون لشكواها وزن أو ردُ فعل كالذي في مظلمة هذه السيدة التي تحمل على وجهها وفي مظهرها من المعاني الشريفة ما يُغني لسانَها عن كل الألفاظ البليغة، فلا أحد من أهل الدوار يشُكُ في صِدق كلامها إذا تكلمت وفي براءتها إذا شكَت وتألمت وفي سريرتها وحُسْنِ نيتها إذا تصرفت وتمردت،كان الناسُ كلُهم يحبونها ويحترمونها ويتحدثون عنها بالفضيلة ويذكرونها بخير، أما أنا فإن ذلك العِقابَ قد خلق بيني وبينها مساحة احترام كبيرة واسعة عليها حواجز من الزجر والتوبيخ الصارم لم يعد ما بقي مني من سفاهة و طيش وتهور يستطيع أن يقفز عليها ولن يتجاوزها أو يخترقها، صرتُ أضربُ على طريقها ألف حساب وحساب قبل أن أُقدم على أي فعل صبياني تُجاهها حتى ولو تعلق الأمرُ بمجرد سُقيا ماء لرد نوبة ظمأ مزعومة.
ظلت المسكينةُ (ألا كلثوم) طوال فترة عيشها كريمة طاهرة عفيفة مصونة متعبدة زاهدة قنوعة راضية حتى داهمها المرضُ ذات وقت مع بداية سنوات الثمانينات، أخذها معه أحدُ أقربائها الموسرين إلى مدينة الدار البيضاء، على خوف منها وممانعة، ذهب بها هنالك لتتلقى العلاجَ ولتُجري بعضَ الفحوصات والتحليلات الطبية، اكتُشِف حينها أن المسكينةَ قد أصيبت بورم …….

||||….. يتبع في الحلقة العاشرة.

بقلم / عبد العزيز الزاهي

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية