18سبتمبر
11121212121212

من وحي الذاكرة .. الدخول المدرسي بتالوين سنوات الثمانينات

انطلق الموسمُ الدراسي 1985\1986م وأذِن لي بمغادرة الدوار في قبيلة إسكتان إلى مركز تالوين، تركت فصول التعليم الابتدائي لأطرق أبواب فصول التعليم الإعدادي، انتقلت من عالم دراسي بسيط جدا إلى عالم آخر فسيح ومتسع ومتشعب ومعقد أو هكذا كان يخيل إلي، وبين المغادرة النهائية للمدرسة الابتدائية والانطلاقة الحقيقية الأولى في الإعدادية كان لابد لي من المرور عبر مراحل التسجيل كشأن كل وافد جديد، كانت مراحلَ بإجراءات تقنية جديدة وتدابير إدارية مستحدثة لم نألف مثلها من ذي قبل، كلُ شيء فيها ينذر بالمزيد من التغيير والتطوير والتدبير والمراقبة، قبل الذهاب إلى إدارة المؤسسة التعليمية لمباشرة عملية التسجيل عَرجتُ مع أبي رحمه الله تعالى على مكتبة هي الوحيدة من نوعها في في قرية تالوين، كانت تزاول نشاطها التجاري بين بيع الكتب والأدوات المدرسية والتصوير الفوتوغرافي، للمرة الثانية سأجلس على مقعد الأستوديو لأخذ صور جديدة بعد تلك التي أخذتها مند أشهر معدودات عند صاحب أستوديو تصوير آخر قديم قِدم التصوير الفوتوغرافي في منطقة تالوين، سلمناها وقتئذ للإدارة المركزية في مجموعة مدارس سيدي محند بن وسعدان التي تشرف على المدارس الابتدائية في كل القبيلة لتهيئ لنا بها ملفا وبطاقة سنجتاز بهما الامتحان الموحدَ لنيل الشهادة الابتدائية.
لم يكن يومئذ في قرية تالوين كلها، لصغر حجمها وقلة كثافتها السكانية، إلا مصوران اثنان لا ثالث لهما، الأول قريب من المؤسسة التعليمية الثانوية كان التلاميذ يطلقون عليه اسم (بوالمكتبة) لكونه صاحب المكتبة الوحيدة في القرية، والآخر يوجد في قلب المركز القروي وكان التلاميذ يعرفونه باسم (الوطن)،هذا الأخير لاهتمامه بفن التصوير داخل الأستوديو وخارجه يكاد يكون المصورَ المعتمَدَ الوحيدَ في الأحوال الشخصية وفي مناسبات الأعياد الوطنية وفي الاحتفالات الرسمية وغير الرسمية وكذلك عند انطلاق الحملات الانتخابية.
جمعت كل وثائقِ التسجيل ومستلزماته من المكتبة وكان بينها بطاقة التعريف المدرسية وملفات وصور شمسية وأظرفه معنونة وطوابع بريدية.. وغيرها ثم قصدت إدارةَ الثانوية مع والدي يرحمه الله، لم تكن صورةُ تلك المؤسسة التعليمية غريبة كليا عن ذهني ومخيلتي، لقد احتفظت لها في وجداني بطيف من الشكل الهندسي التي هي عليها، فلم تمضي على حضوري إليها سوى شهرين أو ثلاث عندما احتضنتنا لنجتاز امتحانات الشهادة الإبتدائية. الطبيعة الجغرافية لقرية تالوين تميز الثانويةَ بموقعها المنخفض جدا عن سطح الشارع الرئيسي الذي تقع عليه، لا بد إذا لمن يلج إليها من بابها الرئيسي أن ينزل درجا تلوى درج عند مدخلها، أو يصعده خارجا منها.
التصميم الهندسي للمؤسسة ولون جدرانها الحمراء، أرضية مبلطة، شُبَاك حديدي يشكل الأبواب، فناءات متسعة، أسوار كثيرة، بناية حمراء شاهقة عن اليمين علمنا فيما بعد أنها عمارة الأساتذة، حديقة خضراء جميلة قرب الإدارة، أقسام كثيرة مصفوفة عن الشمال تمتد أمامها ساحة كبيرة مزينة بالأشجار ثم حركات الأرجل الكثيرة وهي تمشي جيئة وذهابا في حركية ونشاط… كل هذا وذلك قد أسر لبي وقذف في قلبي شيئا من التوجس جعلني أعيش في دواخلي شعورا غريبا، أبعدُ ما يكون عن شعور الطفل وهو يهب إلى حضن أمه ولكنه لم يصل شعور العبدِ الآبقِ وهو يرجع إلى سيده، شعور ملك عني جوانب نفسي الحرجة وأنا أهم بدخول عالم غريب علي بكل المقاييس، وأنا لست غير ذلك الطفل القروي الساذَج الذي أوتي به من بلدة صغيرة موحشة في أقصى حدود القبيلة لا فيها إدارات ولا نوادي ولا مؤسسات ولا دكاكين ولا أماكن المرح واللعب، فيها فصل دراسي يتيم، لا شيء من حوله يشير من بعيد أو قريب على أنه مكان للعلم والدراسة، لا أذكر يوما قد رُفع فيه على سطحه أو بابه عَلَمُ البلاد، لا يجاوره مبنى إداري ولا مسكن لرجال التعليم، ليس فيه مطعم داخلي كما قد سمعنا عند بقية الأقسام في البلدات الأخريات، قسم وحيد لا تحيطه الحديقة أو الأشجار ولا يحيط به سور يحميه من الكلاب الضالة وأعين المارة، أذكر يومَ كنا في المستوى الثالث الابتدائي وقرر المعلمُ أن ينشأ أمامَ القسم حديقة صغيرة رغم أنف أرضيته الصلبة والأحجار اللاصقة بها، جئنا بالأتربة من مكان بعيد وغرسنا فيها الذرة وتعهدناها بالسقي من عين ماء تجري بالقرب من القسم في اتجاه حقول الجماعة (إكران)، وما يزال التلاميذ يتناوبون على سقيها والاعتناء بها حتى نما الزرعُ وكبُر، وبينما نحن والمعلمُ نقف يوم الاثنين ذات صباح للدخول إلى القسم إذا بنا نجد الحديقةَ قد نفش فيها غنمُ رجل من دوار مجاور، وأصبحت كأن لم تغنى بالأمس، أصبحت أثرا بعد عين وجيء بصاحب القطيع وهو رجل كهل يلبس كما يلبس الرعاةُ عادة في البوادي، جمع أطرافَ جلبابه بحزام من الحبل ولف عَمَامَتَه الباليةَ حول رأسه وتقلد قِربة من الجلد كان يجمع فيها أغراضه الشخصية، تأثرتُ كثيرا لمنظره ومسكنته وتذلله أمام المعلم وهو مهدد باستدعائه إلى (البيرو) لينال جزاءه، هكذا بكلمة البيرو كان الناسُ قديما يفهمون استدعاءَهم للحضور لدى مخافر الدرك الملكي ومكاتب القواد والباشاوات، الرجل الراعي لم يكن المسكينُ يتحدث العربيةَ بطلاقة لسان فكان يخلط ألفاظه بين لغة عربية ركيكة ولغة أمازيغية فصيحة، أحزنني منظرُه وهو يتودد إلى المعلم مقبلا عليه ليُقَبِل يدَه ورأسَه ويناشده اللهَ أن لا يذهب به إلى المخزن خشية ما كان الناس يتوجسونه من رجاله، ذهب الراعي في سبيل حاله بعدما تأكد من الصفح ودخلنا نحن قسمَنا وفي أنفسنا من روح الشماتة بالمعلم ما فيها، فنحن لا ناقة لنا في الأمر ولا جمل، ولا شأن لنا بحديقة القسم ولا بزرعه، لم يكن يهمنا من حوله إلا تلك المساحة الصغيرة التي نركض فيها ونلعب فيها الكرة كلما أذن لنا المعلم بربع ساعة استراحة، إنه ذلك القسم الذي ألفناه بحاله الذي أصبح عليه الآن حيث لا زرع ولا اخضرار، قسم وحيد تحملتنا مقاعدُه من القسم التحضيري إلى قسم الشهادة، كان يسهل علينا عند كل بداية موسم دراسي جديد أن نتأقلم مع أجواء الدراسة، بضعُ رجال التعليم هم من كانوا يتناوبون على تدريسنا في كل المراحل الابتدائية، زمرةُ التلاميذ تكاد تتشابه لا تزداد ولا تنقص ولا تتغير، اليوم وأنا ألج السلك الأول من التعليم الثانوي أصبح لزاما علي أن أخلع ملابسَ نُسِجت لنا من الحِشمة والسذاجة والحياء الزائد عن الحاجة، ذلك حتى أستطيع مواكبةَ الدراسة مع أبناء المركز الحضري الذين كانوا يُضرب لنا بهم المثلُ في اليقظة والفطنة والذكاء والشطارة والاجتهاد وغير ذلك، خاصة أبناء الموظفين والإداريين كأبناء موظفي القيادة والدرك الملكي والقضاة والضرائب والمياه والغابات ونظرائهم… كنا نحسُبهم دوننا أهلَ الدراسة الحقيقية ونخالهم من الصفوة في التحصيل العلمي الجاد.
هكذا كانت تمر كلُ هذه الخواطر وتلك الهواجس في ذهني بأشد ما تكون السرعة الذهنية وأنا جالس على مقعد الانتظار قرب الحديقة المحاطة بمكاتب الإدارة والحراسة العامة الداخلية والخارجية والخزانة المدرسية وقاعة الأساتذة قبل أن يَرْبِت أبي رحمه الله على كتفي ليبوح لي بانتهاء عملية التسجيل، استلمتُ من الإدارة رقما قيل لي إنه رقمُ التسجيل الذي يخصني والذي سأدلي به للمؤسسة عند كل تسجيل لموسم دراسي لاحق، كان رقم تسجيلي هو (18|1985)، بعدما باشرنا الحضورَ إلى الأقسام الدراسية بدأت معالم الاختلاف الجدري تتضح لنا أكثر فأكثر، وتلوح بوادرُ الانسلاخ الكلي عن المألوف في عادات التعليم الابتدائي، بدأنا نملأ برنامجا لاستعمال الزمن فكنا ننتقل من هذا الفصل إلى ذلك، ننقل برنامج هذه المادة أو تلك، مواد دراسية جديدة لاحت في الأفق لم نكن نقيم لها وزنا أو هي قد كانت تُلقن لنا بشكل أو بآخر من قبيل: الاجتماعيات،الطبيعيات، التربية الإسلامية، التربية البدنية… ثم انتقلنا إلى مرحلة تسجيل لوائح الكتب والدفاتر والأدوات المدرسية وكان الأمرُ بدوره يعرف جديدا علينا من قبيل مرتب الأوراق وأوراق الرسم والملفات والأوراق الملمترية…
كانت المؤسسةُ تحتوي على خزانة غنية بالكتب والمقررات المدرسية تُسَلَمُ للتلميذ مجانا ليقضي منها وتره ثم يردها عند نهاية العام، كما أن فيها أيضا كتبا ومُؤلفات خارجة عن المقرر الدراسي تُعار على سبيل الإطلاع والمعرفة، صرنا مع توالي الأيام نألف الدراسة في ظل هذه الأجواء الجديدة علينا، وأصبحنا نتأقلم شيئا فشيئا مع طقوس الحضور والدخول إلى فصول الدراسة والخروج منها والغيابِ المبرَرِ أو غيرِ المبرر، وازدادت عندنا في أعراف الدراسة بنود وقوانينُ تنظيمية وقرارات زجرية من قبيل ورقة السماح بالدخول، شهادة الإعفاء، مكتب الحارس العام للخارجية، ونظيره في الداخلية، المراسل أو ولي الأمر…
وصِرنا نسمع لجرس المؤسسة دقات رنانة عند رأس كل ساعة، جرس تقليدي اتُخِذ مما يشبه نصف قِدر من الحديد أو النحاس يُقرع بآلة من حديد، لم تكن المؤسسةُ يومئذ تعرف تيارا كهربائيا شأنها شأنُ بقية الدور والمرافق الإدارية بقرية تالوين، محرك الديزال الذي وجدناه مُسَخرا لتزويد المؤسسة وبيوت الموظفين والإداريين والداخلية بالتيار الكهربائي لم تشمل خدماتُه ساعاتِ النهار، ندخل إلى الأقسام ونخرج منها عندما يقرعُ السيد (العمومي) الجرسَ،هذا الأخير،أدا الحسين كما يعرفه الكل، مُدَرَب على قرع الجرس أيما تدريب، عندما لا يحضر فأول ما يدلك على غيابه قَرْعُ الجرس ذاته، يتولاه أحد المساعدين، السيد(عشاق) أو السيد(سبعين)،كِلاهما لم يتدرب على قرع الجرس فيُسمَع لدقاته إيقاع مضطرب ورنين متقطع، في مراحل الدراسة الابتدائية لم نكن نحضر لنصطف أمام القسم ولا نغادره عند آخر الحصة لا بقرع الجرس ولا بطلقة صفارة، كنا نجتمع قرب المدرسة حتى نرى المعلمَ آت من بعيد فنتأهب للدخول، كم كانت أعينُنا تنهش أُفُقَ الطريق نرقب مجيئه، وكم كانت فرحتُنا تبلغ عَنَانَ السماء عندما يبطأ ظهورُه لتنفجر بتأكيد غيابه أو سفره، وعند متم أي حصة دراسية ما، صباحية أو مسائية، ننتظر من المعلم، بكل شوق وشغف، عبارتَه الفرنسيةَ الشهيرةَ (Ramassez vos affaires) التي تأذن لنا بالخروج والتي كانت محببة إلى نفوسنا كثيرا بعد عناء التحصيل والاحتباس بين الجدران.
ومن أوجه الاختلاف المتعددة بين التدريس الابتدائي والتدريس الإعدادي والثانوي كما كان يتضح لنا،عدمُ قيام الأستاذ بجمع دفاتر التلاميذ،عكس ما كان المعلم يفعله ليقوم بتصحيحها ومراقبتها ويضع عليها أحيانا بقلم أحمر عبارته الشهيرة (حَسِن خَطَك)، تلك العبارة التي تُكتَب أحيانا بخط رديء ليس بينه وبين خط التلميذ كثيرُ فرق يُذكر، إنما يكتفي الأستاذ بالطواف بين الصفوف ويلقي على الكراسات نظرة تلوى نظرة فينبه إلى ما يجب التنبيه إليه من أخطاء إملائية أو لغوية،أكثر ما كان قد أثار انتباهنا وفضولنا في المشوار الدراسي بالإعدادية عند شهوره الأولى تَمثَل في حضور حصص العلوم الطبيعية داخل المختبرات العلمية في المؤسسة، ثم حضور حصص التربية البدنية في قاعات الرياضة، ندخل إلى المختبرات فتستقبلنا روائُحها المميزة، روائح لم نكن نألفها من قبل، كما أن نمط الدراسة بها مختلف تماما عما هو عليه داخل الأقسام من حيث الشكل والمضمون، ففي المختبر طاولات مبنية بالإسمنت ومزينة بالزليج ومزودة بالصنابير، ومقاعدها فردية ويميزها علوها وشكلها، من حين لآخر يستدعي الأستاذ كل التلاميذ ليلتفوا حوله قرب السبورة من أجل القيام بتجربة ما أو ملاحظة نتائج تحاليل كيميائية أو نظير ذلك، وفي حصص التربية البدنية كان الخوفُ والشوقُ معا يمتزجان في نفوسنا بشعور الاستغراب، فمن جهة نحن نحب اللهو واللعب والركض ومن جهة أخرى نتوجس خيفة من خلع الملابس المعتادة واستبدالها بالبذلة الرياضية المعتمدة في المؤسسة،غير أنه بتعاقب الأيام وتوالي الشهور استطعنا أن ننتزع ما علق بنفوسنا من آثار الخوف والجبن إلا ما كان يحصل من أمور عرضية لا دخل فيها للمسار الدراسي، حتى ما كنا نظنه في أنفسنا ونعتقده في موازين التفرقة بين عقول أهل القرى وعقول أهل المدن،كان ظنا سيئا، لم نعد نعيره اهتماما ولا نقيم له وزنا، واستطعنا نحن أبناء الدواوير والقبائل البعيدة أن نحصد بالجد والمثابرة نقاطا مميزة وحللنا المراتب المشرفة ونلنا الميزات الحسنة،وخَلُصْنا إلى أن العقلَ في المدينة هو نفسه في القرية والبادية ولا فضل لأحدهما على الآخر إلا بالجد والمثابرة وحسن الخلق والانضباط، بل لقد قرأنا في كتب التاريخ والتراجم الذاتية لبعض المفكرين والعلماء والأدباء الكبار التي كان الأستاذُ يطالبنا بإعدادها، أن غالبيةَ أهل العلم والعباقرة في العالم على اختلاف علومهم وتخصصاتهم جادت بهم القرى والبوادي والأرياف في كل الأمصار.

بقلم / عبد العزيز الزاهي

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية