9سبتمبر
00000000000000000

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتي .. ( ح/8)

بعدما استقطب الشغلُ والعملُ زوجَها وابنَها الكبيرَ إلى المدينة واستقطب العلمُ الابنَ الصغير إلى بوادي منطقة سوس صارت الأم (ألا كلثوم) تعيش في بيتها وحيدة لا مؤنس لها إلا أنعامها وحيواناتها الأليفة، وأصبحت تعتمد على نفسها في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحياة اليومية داخل البيت وخارجَه.أصبحَت رحلاتُها بين الدار والبئر التي تسقي منها الماءَ شبهَ يومية، وهي في طريقها إليها لا تَمَلُ من التوقف كل مرة عند كل عبور على أعتاب الجامع القديم (تيمزكيدا) الواقع على الطريق، تتخلص من إنائها في يدها وتضع عنها جَرَة الماء أرضا وتتجه نحو مدخله لتُقَبِل بابَه، تسميه (سيدنا جبريل) هكذا تناديه في كل مرة وهي تهم بطبع قُبْلَتِها على بابه الخشبي السميك، وكم تبلغ حمولةُ الصبر والرزانة التياستودعها الله في قلب هذه السيدة المسالمة، لقد كتب الله لها قدْرا من الحِلم يزن الجبالَ ثقلا ووهبها صبرا لا يَعيل كيفما دعته الأهوال ولا ينهزم في مواجهة خِفَتِنا وأعمالنا الصبيانية، يظل حِلمُها على الدوام منتصرا ومتفوقا على سفاهتنا وطيشنا، نجلس صغارا على مِصطبة (تيسي) عند باب الجامع القديم وكلما رجعَتْ في الطريق ساقية من البئر وألقت بما تحمله في يدها وعلى ظهرها لتمارس شعيرة التقبيل اعترضنا سبيلها متظاهرين بالعطش الشديد ونادينا عليها لتسقينا من الماء، نظل نشرب دون أدنى إحساس بالعطش ونعبث بأوانيها ومياهها حتى لم يكد يبقى منها شيء وترجع ثانية لتسقي من جديد دون أن تبدو منها أيةُ مظاهرِ قلق وتأسُفِ، كانت المسكينةُ تعتقد أن الماءَ نعمةُ من الله لكل الكائنات وقد خُلِق ليستعمله كل من على الأرض ولِئَلا يمنعُه أحدُ عن أحد مهما كانت الأسباب والدوافع.
إلا أن أمرا واحدا كان يُقلِقُ راحةَ (ألا كلثوم) ويغير صفحةَ وجهها ويعكر صفوَ قلبها، يُبَدِلُ حِلْمَها غضبا و يُحوِل سكينتَها قلقا واضطرابا، يجعل دمائها تغلي في عروقها كَغَلْي الحميم ويُغير سماحتَها انفعالا كليا وانتقاما، ذلكم الأمر الذي يحدث عندما يشير أحدُ السفهاء منا بحجر أو حصى إلى هِرَتِها فيصيبها أو يُخطئها وتأوي إلى سيدتها تطلب الحماية بين قدميها بمواء عجيب، آنذاك تُصبِح السيدةُ سيدةَ أخرى غيرَ تلك التي يعرفها الصغير والكبير،تظل واقفة وتدعو على من سولت له نفسُه أن ينال من مخلوق محبب إلى نفسها وبات يشكل قطعة من كبدها تمشي على الأرض، تقول منددة إن هذه الهرةَ ليست إلا خَلقا من خلقِ الله لا تنطق ولا تتكلم، لا تَسُب أحدا ولا تؤذي أحدا بجوارحها، فليسلط اللهُ عصا انتقامه على من أشار عليها بأي شيء من الأشياء ليؤذيها، وليس يتوقف انفعالُها عند ذلك الحد بل يصل إلى الحد الذي تشكو معه المعتديَ إلى فقيه الجامع أو إلى أحد أولياء أموره، لستُ أدري كيف تبَثَ عندها يوما أنَنِيَ أنا من أشرت على هرتها بحصى صغيرة كدتُ أُزهِق بها روحَها فكان يوما عليَ عسيرا، يومئذ لم يكن فقيه الجامع حاضرا بالبلدة، كان قد غاب في زيارة دورية إلى أهله ولم يكن حضوري لحلقةِ الحزب الراتب في مقصورة الجامع بين العشائين تدعو إليه الضرورة، بدأ الظلام في السقوط على الأرض فدخلتُ الدارَ بعد صلاة المغرب على غير عادتي، وما أن دخلتُ البابَ حتى انقضَتْ علي في ظلمة الدهليز (أغكمي) يد مجهولة لم يتضح لي بعدُ من نزل بها علي، ولا أدري حينها من أوقعني بسهولة على الأرض، أمِن أثر الخوف الشديد من ظلمة المكان الموحش أو من أثر الضربة المفاجئة التي لم أكن أتوقعها ولم أَحْسُب لها أيَ حساب؟ على كل حال سقَطْتُ أرضا بكل سهولة وصرتُ تحت وابل من الركلات والرفس والضرب الموجع، ولما التحَقَتِ الأقوالُ بالأفعال علمتُ أن مَن انقض علي وصار يحاصرني الآن بقدميه ويديه لم يكن سوى المسكينة أمي رحمها الله تعالى وأدركتُ السببَ الحقيقيَ المباشرَ لورطتي بقولها رحمها الله في أول كلامها: ماذا تريد أيها العاصي من تلك السيدة المسكينةِ وبماذا أنت مَدِينُ لها؟ وماذا بينك وبين هرتها لتشير عليها بالحجر؟ هل أنْجَبَتِ النساءُ في أولادهن البررة مَن يعود عليهن بالأجر والرحمات وأنْجبْتُ أنا ولدا شقيا يجلب عليَ العارَ واللعنات؟ لم يكن الضربُ والركل والرفسُ المتواصلُ يسمح لي حتى بالصراخ فكيف بالدفاع عن النفس أو الإجابة عن أي سؤال من تلك الأسئلة التي لا يُنتَظَر مني أصلا أيةُ إجابة عليها، تنزل عليَ أمي يرحمها الله تعالى بنعلِها أو بما يشبهه في كل أنحاء جسدي، وتقلبني بطنا لظهر وظهرا لبطن، يبدو أنني الآن ثوبا متسخا أمامها يجب العمل على تصبينه وتنظيفه من الأوساخ الأخلاقية العالقة به، ولأن الموقفَ قد وضعني في أمر حَرِج فإنني لم أكن أخجل حينئذ من سرد أعذار وتبريرات واهية كلما بدا لي متنفسا من الوقت وكلما استطعْتُ أن آخُذَ نفَسا من خلال مباراة ملاكمة عنيفة تُمارَس على حلبة مظلمة في وضع الجلوس لا خصم فيها ولا حكم، تبريرات دفاعية كلها تناقضات، في البداية حاولت أن أنكر التُهمةَ جملة وتفصيلا ثم حاولتُ بعد ذلك إلصاقَها بابن جيراننا الذي يشاركني وأشاركه الأعمالَ الصبيانيةَ الطائشة، ثم في ما يشبه اعترافا ضمنيا مني بالجريمة في حق أُم ِهريرة عاهدْتُ أمي أن لا أكرر فِعلَتي معها أبدا وأن أفارق سبيلها، ثم في الأخير لما تبَيَنَ لي أنه لن أفلح في صرف الضربات الموجعة عني وأن ذلك كلَه لم يشفع لي عند أمي ولا عند خالتي (أرملة جدي) وإحدى أخواتي الكبار اللواتي يتحسسن الوضعَ في الظلام ويحاولن بألسنتهن دون أيديهن أن يُنقِدنني مما أنا فيه من أهوال التهذيب رفعْتُ حالا شعارَ التهديد والتحدي في وجه الجميع وأقسمتُ لهن قائلا: تالله إنني لأقْبِضَنَ غدا على تلك الهرة السوداء التي تسومني الآن سوء العذاب و لأذبحنها ولأمزقنها إرَبا إرَبا، وقالت لي أمي بنفس لهجة التهديد والوعيد: تالله لتجدن مني ثانية غلظة القلب ولينالك مني أشدَ العِقاب وستَلقى مصيرَك هذه المرةَ مُعلَقا في رجليك بين السماء والأرض ….

 

>>>>>>> يتبع

بقلم / عبدالعزيز الزاهي الحداوي السكتاني

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية