7سبتمبر
xcvxvvxvxvxvxvxvx

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتي .. (ح/7)

أما بعضُ أعمال البر التي تكتسي عند السيدة (ألا كلثوم) الصبغة الفرديَةَ فقد كانت تتمثل أحيانا في حمل الشاي والسكر والحلويات وثمارِ اللوز والتين إلى فقيه الجامع، يقيم بها للأولاد حفلةَ شاي بعد ظهيرة يوم الأربعاء آخِرِ أيامِ الأسبوع الدراسي وفق نظام الكتاب.
كل ذلك يعكس قدْرَ الحب الكبير في فؤاد هذه السيدة لولدها الصغير الذي وضع قدميه في ميدان التفقه وحفظ القرآن، ذلك الميدان الذي تحبه وتحب كل ما تفرع عنه من سبل ومسارات وما يتصل به من سلوك وأعمال جزئية وكلية .
لقد اختار إذا (صالحُ)،أو هي الأقدار من وجهته ليسلُكَ في حياته طريقا غير ذلك الذي سلكه أبوه وأخوه، سار على درب القرآن الكريم وتعلُمِه فلزِم جامعَ الدوار منذ حداثة سنه يتلقى فيه دروس الحفظ ومبادئ القراءة والكتابة برواية ورش الشهيرة بين أوساط الفقهاء والمتعلمين والحُفُاظ في كل البلاد، وجدناه هو ومن كان في سنه قد قطعوا شوطا كبيرا من أشواط الحفظ والتعلم، يكبروننا بما يربو عن عقد من الزمان، يُخوِل له الفقيهُ صلاحياتِه ويُحَمِله مسؤوليةَ مجلس الحفظ (المَحظَر) كلما لبى دعوة لحضور ختمة قرآنية (سلكة) بعيدا عن الدوار أو خلال غيابه إلى السوق، ولقد كان صالحُ يَسُرهُ أن يتمثل لنا طالبا مُحَنَكا مضطلعا، يتقمص شخصية الفقيه ويمسِك عصاه ويجلس مَجلسَه وسط حلقة الاستعراض والحفظ ويشير على الجميع مناديا بالجد والاجتهاد في الحفظ والتزام الهدوء والانضباط.
وما زلت أذكر يوم أتمَ هذا الفتى أول مرة حفظَ القرآن الكريم على اللوح بأجزائه الكاملة فأُقيم على شرفه في الدوار حفلُ عرس قرآني بهيج كان صالحُ عريسه المبجل، لبس أثوابَه البيضاءَ الناصعةَ وأوتي له من دوار بعيد بفرَس جميلة، أنثى حصان ذات حجم كبير وعضلات ضخمة تسُرُ الناظرين، لونها أحمر يخالطه السواد، تحمل على ظهرها صهوة جميلة مزينة مزركشة، ركب عليها حافظُ القرآن ممسكا بلوحه القرآني الذي أخرجه فقيه الجامع إخراجا وقد وضع عليه رسومات وتزيينات بمادة الصِمغ المعتادة في كتابة الألواح بالمدارس التقليدية في البوادي المغربية، انطلق العريسُ ليطوف جوانبَ الدوار متبوعا بحشد كبير من الرجال والنساء والوِلدان يرفع الذكور منهم إلى السماء عبارات التهليل والتكبير
ولما بلغ صالحُ مرتبةَ الحفظِ الكاملة والتمكينِ من مبادئ وقواعد التلاوة والرسمِ القرآني والكتابةِ السليمةِ على رواية ورش شدَ الرِحالَ إلى مدارس سوس العتيقةِ هو وثلة من أقرانه من شباب الدوار ممن حفظوا القرآن، هنالك سيتلقون دروس العلم والنحو واللغة والأجرومية وغيرها ومن ثمة سيزداد حبُه في قلب أمه درجات ومراتبَ،الأم التي صارت تفاخر به النسوةَ وتلقبه بالفقيه مسندا إليها (الطالب –إِنو) وترتقب عودته على الجمر عند حلول عطل الأعياد (العواشر) ، وما كان قلبُها الذي ينبض بالحب لصالح ويفيض بالحنان والشوق إليه ليحتمل صبرا على طول الفراق لولا أنها تلتمس لولدها في ذلك الغياب الطويل إلى سوس أعذارا بمحاولة حفظ القرآن وتفسيره وفهمه وجمعِ علومه، وكيف تصبر على فراقه شهورا عديدة وهي لا تطيق له حتى فراقا بسيطا لساعات معدودات يوم السوق الأسبوعي، تظل واقفة عند مدخل الدوار مع بداية الظهر أو عند اقتراب العصر وتراقب أُفُقَ الطريقِ الذي يرجع منه الناس إلى الديار على دوابهم وأرجلهم وتفتأ تذكر صالحا وتسأل عنه كلَ رَكْب و قادم : هل رأيت صالحي في السوق؟ ألم يتبعك صالحي على الطريق..؟
بعدما استقطب الشغلُ والعملُ زوجَها وابنَها الكبيرَ إلى المدينة واستقطب العلمُ الابنَ الصغير إلى بوادي منطقة سوس صارت الأم (ألا كلثوم) تعيش في بيتها وحيدة لا مؤنس لها إلا أنعامها وحيواناتها الأليفة، وأصبحت تعتمد على نفسها في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الحياة اليومية داخل البيت وخارجَه.
أصبحَت رحلاتُها بين الدار والبئر التي تسقي منها الماءَ شبهَ يومية، وهي في طريقها إليها لا تَمَلُ من التوقف كل مرة عند كل عبور على أعتاب الجامع القديم (تيمزكيدا) الواقع على الطريق، تتخلص من إنائها في يدها وتضع عنها جَرَة الماء أرضا وتتجه نحو مدخله لتُقَبِل بابَه، تسميه (سيدنا جبريل) هكذا تناديه في كل مرة وهي تهم بطبع قُبْلَتِها على بابه الخشبي السميك، وكم تبلغ حمولةُ الصبر والرزانة التي استودعها الله في قلب هذه السيدة المسالمة، لقد كتب الله لها قدْرا …

>>>>>>>>  يتبع

بقلم / عبدالعزيز الزاهي الحداوي السكتاني

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية