29أغسطس
bcbcbcbcbcbcb cbcbcb

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتي .. (ح/ 4)

… عندما توفي أبوه،صار (مولاي فضيل) مُلزَما بالاعتماد على نفسه أكثر في جلب القوت لأهل بيته وأسرته الصغيرة،لذلك صار يقسم أوقات حياته المهنية بين الحضور ثارة في الدوار يشتغل عاملا في مجال الزراعة والرعي، وثارة أخرى يسافر بعيدا إلى المدينة ليشتغل عاملَ بناء، في مدينة الدار البيضاء كان يمارس أشغاله بطريقة موسمية غير رسمية، يمكث فيها شهورا قليلة ثم يرجع إلى أهله في الدوار، كان يمارس مهنة الحِدادة في ورشات البناء، يعمل على طي القضبان الحديدية ويصوغ منها الأشكال الهندسية المطلوبة في دعامات وأركان البنايات، ولما كبُرَ الابن ( م بلعيد) واشتد ساعدُه سار على نهج أبيه ورحل إلى مدينة الدار البيضاء ليمارس فيها بنفس الطريقة والنظام نفسَ عمل أبيه متنقلا بين هذه الورشة وتلك ومن هذا الحي إلى ذلك، يرحل إلى المدينة ويستقر فيها بلا وقت محدد ولا مكان معين، ليس له ولا لأبيه برنامجُ عمل مستقر وثابت يستلزم الوقوفَ عنده بشروط الزمان والمكان المعهودة في أعمال المؤسسات والشركات.
في الأوقات التي يغيب فيها الأبُ وابنُه الأكبرُ معا عن الدوار كانت السيدة (ألا كلثوم) هي التي تتولى عنهما كُلَ أعمال الرعي والزراعة والسقي والفلاحة،الأشغال الخفيفة التي لم تكن تكلف الطاقةَ الكبيرةَ تزاولها بما وسِعها من جهد وتستعين بجهود بعض المساعدين من أقاربها في الدوار وغيرهم كلما تَطَلَبَ الجهدُ قوة إضافية.
(ألا كلثوم) سيدة فريدة من نوعها، تفتحَتْ عقولُنا في الدوار، نحن جيلُ السبعينات من القرن الماضي، على إنسانة رزينة فاضلة محترمة، تلكم المرأة التي يلِفُها الحياءُ من كل جانب، إنها كانت من النسوة القلائل جدا في البلدة اللواتي يصعب أن تسمع لصوتهن يعلو بالصراخ والعويل أو حتى بالنداء الخشِن مطلقا، لم نعهدها على الإطلاق تَحضُر موقفا من مواقف الشِجار والخصام كتلك التي تلعب فيها بعض النساء أدوار الدفاع عن أولادهن الصغار ظالمين أو مظلومين ويَفْجُرْن في الخصام ويتبادلن السِباب والشتائمَ، ليست هذه السيدة من تلك الطباع في شيء،هي من صنف الإناث اللائي يستعففن لأرجلهن وأيديهن وألسنتهن وأبصارهن وأسماعهن، ولا تُشعِرُك في مشيتها المطمئنة أن في نفسها شيئا من الأحاسيس الجامحة ولا في قلبها أثرا من فضاضة، ولا يَظهر على حركة جسدها النحيل وجوارِحها أيُ أثر للهياج والانفعال، لا شيء من ذلك كلِه توحي به مشيتُها وسلوكُها وأخلاقُها أو قُل إن كان منه شيء بالضرورة فإن وزنَه يؤول إلى الصفر والعدم.
لم نكن نرى هذه السيدةَ إلا في طريقها إلى البيت عائدة من الحقول وقُفَة الحشائش على ظهرها أو عائدة من الغابة وعلى ظهرها رزمة الحطب أو هي في طريقها إلى البئر لتسقي المياهَ وفي يدها إناء وعلى ظهرها آنية ماء من الطين، تمشي على الأرض هَونا ولا تستعجل أبدا، لا يشكو أديمُ الأرض التي تمشي عليها ضربا بأقدامها ولا اختيالا بكبريائها، خلال فترة العمر التي عاصرتها فيها حاولتُ أن أبحث لها في ذاكرتي عن موقف أتصورها فيه مستعجِلة أو مهرولة أو غضبانة آسفة ولكن جُهديَ يُرهقني وكل محاولاتي تبوء بالفشل.
تعيش (ألا كلثوم) مع ولدها (م صالح) أغلبَ أوقات العام وحيدين في الدار التي يهجرها رب الأسرة والولد البكر إلى المدينة سعيا وراء لقمة العيش، فلا أحد من أبنائها قد تزوج ولا أحفاد لها، لذلك فهي تقسم رعايتَها وعنايتَها وكاملَ اهتماماتها بين ولدها الأصغر وما تملكه في حظيرتها من دواجن ومعز وبقرة حلوب واحدة وهرة لطيفة تستأنس بها داخل البيت وخارجه، يَسُرُها أن ترى صُنعَ الله وتلمس حكمتَه في تلك المخلوقات اللطيفة وترى الجَمالَ في كل شيء من حولها، تنعت كل ما تملكه من الماشية في الدار بخلائق الله وتقول لمن يلتقي بها في الطريق كنت عند (لخلايق ن-ربي) أو زودت تلك (الخلايق) بالطعام والشراب…………….

>>>>>>>> يتبع

بقلم / عبدالعزيز الزاهي الحداوي السكتاني

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية