24أغسطس
ùùù

أقلام حرة : حدث هذا في بلدتي .. ( ح/2)

رأيت على صفحات الجواز أختاما تعكس إجراءات العبور على مختلف الحدود وتؤرخ لمراحل تلك الزيارة وأطوارها ومواقيتها، وعند عودته من رحلة الحج قَصَ على الناس ومَن حولَه قصةَ نجاته من الموت والهلاك هو ومَن رحل معه في رحلة الحج، لم يكن إيابُهم عودة من الديار المقدسة بعد أداء مناسك الحج بل عودة من الدار الآخرة إلى الدنيا لممارسة عهد جديد في الحياة بعمر جديد مكتوب لهم بعدما تعرضت باخرتُهم وهي تمخر عُبابَ البحر الأبيض لقصف عنيف من طرف الحلفاء في عز توهج نيران الحرب العالمية الثانية، يحكي الحاج للناس تفاصيل الحادث المُرَوِعِ ويحكي عن مناظر الجراح والدماء والأشلاء والأنين وعن أعمال الإسعاف والإغاثة والإنقاذ…
ولأن الثروة في كل عصر ومكان لا بد لها من ضريبة يدفعها صاحبُها طوعا أو كرها،فقد كان يُحكى عن الحاج الطيب غيرُ قليل مما كان يدفعه من ضرائب مادية ومعنوية عن ثروته وغناه تأتيه على شكل مضايقات من القوى الاستعمارية والمخزنية، كانوا يحاصرونه في عقر داره بالدوار أو على سبل تنقله لمزاولة أعماله التجارية في كل الاتجاهات ليلا ونهارا صيفا وشتاء،وكم من مرة قيل إنه نجا من محاولات الأسر والاعتقال بفراره على ظهر فرسه الأدهم،وكانت تلك المضايقات،وهي تكتسي أحيانا صبغة العنف والتهديد والوعيد،غالبا ما تأتي على شكل مؤامرات خسيسة تمتطي صهوةَ جواد الشيخ أحمد بن علي المعروف والشهير بين الناس في كل القبيلة فترة الاستعمار الفرنسي وهو الذي كان يسكن دوارا مجاورا غيرَ بعيد عن دوارنا،لقد كان الشيخ أحمد فترة الأربعينات يدا حديدية من تلك الأيادي العديدة التي تبطش بها السلطة المخزنية والاستعمارية بطشَ الجبارين في كل ربوع تالوين ونواحيها وعلى رأس تلك القوة المرعبة الباشا التهامي الكلاوي الشهير في التاريخ السياسي المغربي لفترة ما قبل الاستقلال،وأحيانا تأت تلك المضايقات لتصل منزل الحاج الطيب على شكل رسائل صوتية يبلغها السُعاة المخزنيون (إجراين)، يبلغونه أمرَ الحضور إلى مكتب الباشا أو من يخلفه بلا قيد أو شرط أو مماطلة وتسويف ،كما أن أياديَ خفية كانت تُحركها الآلة المخزنية قد امتدت إلى شخصه بسوء فأُودِعَ غير ما مرة سجونا سرية كان السجانون يتخذونها من كهوف مظلمة في جبال بمنطقة تالوين ونواحيها،ويذكر التاريخ الشفهي بعضَها على الحدود الجغرافية الفاصلة بين أساكي وسكتانة عند منطقة تُدعى (السلوم)، استمرت المناورات والمناوشات والخصامُ والحربُ بين الرجلين،شيخ السلطة الاستعمارية والحاج الطيب، زمنا طويلا حتى بات الواحدُ منهما يشكل للآخر في عصره العدوَ اللدودَ الأولَ بغير منازع، وقد حدث في زعمي ضمن فلَكِ الصراع بينهما ما يشبه في بعض ذيوله وجرائره الممتدةِ إلى اليوم فصولا مما حدث في قصة سيدنا موسى مع فرعون مصر زمن الطغيان والاضطهاد، ذلك أن أحدَ أبناءِ الحاج الطيب شاءت الأقدار أن يغترب في بلاد فرنسا سنوات السبعينات وأتى منها بأموال مكنته من شراء بعض ممتلكات الشيخ أحمد الهالك مستغلا قسمة الميراث ونصيب زوجته، ومما انتقل بالقسمة فالميراث ثم البيع والشراء من ممتلكات الشيخ أحمد بن علي إلى أيد أبناء الحاج الطيب وأحفاده وهم يستغلونها إلى يوم الناس هذا أملاك عينية تشمل حقولا ومياهَ سقي وغرسا وبيوتا في عقر الدار. وليس المقامُ هاهنا والمقالُ على حد سواء يقبلان سردا لتفاصيل كل ما حدث بهذا الصدد لأن ما حدث بليغ يستوجب منا الوقوفَ عنده بمقال يخصه وفي سياق آخر جديد غيرِ هذا.
انتقل الحاج الطيب رحمه الله تعالى إلى الدار الآخرة عند نهاية الخمسينات، ولما مات أفَلَتْ شمسُ الغنى لديه وغربت فزالت كلُ آثار نعمته تماما كما تزول ظلال الأشياء على الأرض بُعيدَ الغروب،كما لو حُمِلت جثة الهالك وثروته معا على نعش واحد إلى المقبرة لتوارى الثرى،خُسِفَ بكنوزهِ الأرضَ وترك الأمرُ في قلوب بعض الناس حيرة وأسئلة ما تزال مطروحة وتبحث لها عن أجوبة مقنعة.
مات الحاج الطيب رحمه الله تعالى وخلف عددا كبيرا من ………..

 

>>>>>>>> يتبع

بقلم / عبدالعزيز الزاهي الحداوي السكتاني

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية