23أغسطس
bcbcbcbcbcbcb cbcbcb

أقلام حرة : حـدث هذا في بلدتي .. (ح/1 )

عاشت أسرة الحاج الطيب رحمه اللهُ تعالى ببلدتي أوائل القرن الماضي في بحبوحة عيش ورغده،عاشت رفيعة المكانة الاجتماعية على سُلَم المجد ومقاييس الفوارق الطبقية لذلك العصر المعتمدة بالأساس على تربية المواشي والثروة الزراعية والمتاجرة في الأسواق بقوافل الإبل والبغال والخيول،كان سيدُها مضربَ المثلِ بين الناس في كل القبيلة بما أتاه الله من غنى وثروة كبيرة تشمل ميادين التجارة والفلاحة والزراعة وتربية المواشي وقَلَ في ربوع تالوين ونواحيها كلِها من لم يكن يسمع في عصره بصيته ووجاهته الاجتماعية والاقتصادية،لقد كان الجميعُ يتحدث عن قوافله التجارية وسعةِ ماله وكنوزه وبضائعه، تحدث الناس عما كان يملكه من خلايا النحل وتحدثوا عما كان في حظيرته من الدواجن والأبقار والحِملان والغنم والمعز وما مر فيها من ثيران وجِمال وخيول، يضربون المثل بقطيعه الكبير في عدد ما كان يعج به من رؤوس الأغنام والماشية ويقولون إن هذا القطيع وهو يستعد في الصباح ليغادر إلى حيث مسرحه يكون أوله قد دخل المرعى بينما آخره لم يبرح بعدُ زريبته في الدوار، كان يحترف تجارةَ الأصواف والجلود والمزروعات وبعض المواد الغذائية كالثمار والزرع والزيوت والسكر والشاي وغيرها ويُشرِك العديد من الأسر في العديد من المواضع رؤوسَ الأبقار والعجول.
ولم تكن أسرة الحاج الطيب كبيرة الحجم من حيث الثروة الحيوانية والمادية فحسب بل كانت كبيرة كذلك على مستوى الأفراد والنسمات،كانت تضم عددا كبيرا من الأبناء والأحفاد والخدم والعبيد والجواري، ويُقال إن بعض هؤلاء العبيد والجواري قد جيء بهم من أسواق النخاسة البعيدة وبعضهم كان من جنسيات إفريقية،وعلى قدْرِ ذلك الحجم البشري الكبير لأسرته كان قدْرُ الزاد والاستهلاك اليومي من المواد الغذائية الأساسية،يُؤتى من الحظيرة كل صباح برأس ماشية من الغنم أو المعز ليُذبَح ويهيأ للطبخ فضلا عما كان المطبخُ وموائدُه قبلة له من الرغيف و الزرع والحبوب والسمن والعسل ومختلف الزيوت والثمار والفواكه والخضروات.
كان والِدي رحمه الله أحدَ أحفاد الحاج الطيب العديدين،ذلك بأن جدتي لأبي (زينة) رحمها الله تعالى هي البنت البكر له،في سنوات الثلاثينات والأربعينات حيث عاش أبي صبيا كان يتردد كل صباح على بيت جده الحاج الطيب ويعرج عليه في رحلاته اليومية بين البيت والجامع،وكان يسره أن يُقَبِل رأسه ويتزود من موائده قبل وبعد الجلوس على حصير الكُتاب ليحفظ القرآن،لقد كان من حسن الحظ أن أرى رأيَ العين على الصورة الوجهَ الحقيقي لهذا الرجل الذي حمل جدتي لأبي في صلبه ذات فترة زمنية قديمة جدا ولم أتمكن من رؤية الجدة نفسِها على الإطلاق مجسدة أو مصورة،حتى والدي يرحمه الله كان يقول لي إن عينيه لم تشبعا من النظر في وجه أمه بعدما خطفها الموت وهو لم يزل بعد سوى مجرد صبي قد تجاوز الرَضاعَ بقليل ولا يفقه كثيرا مما حوله،جدتي (زينة) غادرت الدنيا مبكرا وسبقت أباها إلى الآخرة بسنين عددا، وبالرغم من أن الحاج الطيب قد رحل عن الدنيا وغادر الحياة بدوره إلى دار البقاء بعد منتصف القرن الماضي إلا أنه قد كُتِب لي مشاهدةُ صورته عندما وقع بين يدي جوازُ سفره الذي حج به البيت ذات عام من أعوام الأربعينات، وقصة حجه كانت لها حكاية تُروى إذ لم يكن نصيبُ الحج لقرية تالوين ونواحيها كلها في ذلك العهد سوى تذكرتي سفر اثنتين كانت السلطةُ تُجهد نفسَها في البحث لهما عن زبون ذي قدرة شرائية يقتنيهما،وكان الحاجُ الطيب ثانيَ اثنين استطاعا عهدئذ أن يسددا قيمة التذكرة فغادر يقصد الديار المقدسة، ركب السفينةَ وغادر عن طريق البحر في رحلة إلى الحج دامت عدة أشهر، زار خلالها الحجازَ والشامَ حيث الكعبة المشرفة وحيث بيت المقدس، في قديم الزمان كان من أعراف الحج أن يُعَرِج الحجاجُ كلهم على مدينة القدس الشريف بفلسطين لزيارة المسجد الأقصى حيث مسرى الرسول الكريم وأولى القبلتين، رأيت على صفحات الجواز أختاما تعكس إجراءات العبور على مختلف الحدود وتؤرخ لمراحل تلك الزيارة وأطوارها ومواقيتها، وعند عودته من رحلة الحج ………….

>>>>>>>> يتبع

 

 

بقلم / عبدالعزيز الزاهي الحداوي السكتاني

شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية