25يونيو
Bureau16

أقلام حرة : عصر من الاتصال ولى ..

عندما بدأ سكان العالم أجمعون  يستعدون لتوديع آخر عقود وآخر سنوات القرن الماضي ظهرت وبشكل شبه مفاجئ ومثير للإعجاب البدايات الأولية لانتشار ثورة الاتصالات اللاسلكية بين كافة طبقات المجتمع مجسدة في عرض الهواتف النقالة عند الباعة المعتمدين ثم امتد نطاق البيع والشراء ليشمل نقاط بيع عديدة ومتنوعة اختصاصية وعمومية..كان ذلك متم سنة 1998م وبداية السنة الموالية،سنتان بعد إذ لم يكن الهاتفُ النقالُ يعرف الملامسَ إلا من أكف الطبقات الاجتماعية العليا والنبلاء .
وأكثر الهواتف التصاقا بالذاكرة والشعور في كل المدن والقرى والمناطق بمن فيها منطقة تالوين ونواحيها هي من الصنف الذي طرحته إلى الأسواق شركات (Ericsson – Alcatel).
لقد كانت الهواتف النقالة في قرية تالوين ونواحيها نهايةَ القرن الماضي على وجه التحديد عملة نادرة جدا لا تقع عليها العيون إلا في أيادي قلة قليلة من الموظفين والتجار والحرفيين ثم شيئا فشيئا بدأت تشق طريقها إلى كل يد وكف، لقد كان لتلك الوسائل العجيبة مظهرا في العيون ووقعا في الآذان يثير فضول الجميع وكان لها سحر وفتنة وجمالية بليغة ليست في حدتها وجاذبيتها اليوم على شيء مما هي عليها اليوم بالرغم من تلك الدرجات والمراتب التقنية العليا التي رفعها إليها العقل وحدة التنافس،وكنتَ إذا جلست في أحد المقاهي ورن هاتف ما في جيب أحد الرواد كان لا بد للأنظار أن تلتفت إليه وتُرهف الأسماع لتلقي إشاراته الصوتية.
اليوم أصبح الجميع يحمل الهواتف النقالة الذكية والغبية والبديعة،مختلفة الأحجام والتصاميم والتجهيزات، ومن الناس مَن لا يكتفي بواحدة منها بل يتعداه إلى اثنين أو ثلاث ويوظف أكثر من بطاقة اتصال للأغراض التي لا يعرفها إلا هو.
يرحم الله ذلك العصر الذي لم تكن فيه مهمة الهاتف النقال ومن يحمله على حد سواء إلا الاتصال ونقل الخبر،كانت الهواتف القديمة،شأنها شأن القدامى من الناس،قنوعة صابرة مقتصدة،ليس في دواخلها من وظائف هامشية تستهلك الطاقة وتَشغَل السمعَ والبصرَ،لا تعرف كثرة البيانات ولا أركان لهو ولعب ولا أبواب نوافذ المواقع الاجتماعية وبقية مواقع الاتصال ولم تكن مزودة ببطائق الذاكرة (Carte Mémoire) لتحميل النغمات ولا مقاطع فيديو ولا تحمل عدسات التصوير،كل مهماتها ووظائفها إنما تتوزع بين اللسان وطبلة الأذن دون سواهما من الجوارح، كانت تُعرف بقوة استقبالها للإشارة وجودة تفاعلها مع التغطية وكان ثقلها وسمكها وتصميمها يساعدها كثيرا على تحمل الصدمات العنيفة التي لا قِبَلَ بها اليوم لهذه المزودة بالذكاء وكل شيء إلا التحمل والتماسك.
ومنتهى الكلام أن تلك الهواتف النقالة القديمة قد عاشت شريفة وماتت شريفة وأفسحت الطريق لهذه الأشباح المخيفة لتشغل كل الحواس والجوارح ولتلتهم الوقت وتستهلكه كما تستهلك النار الحطب.

 

 

  • عبدالعزيز الزاهي
شارك التدوينة !
جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية